تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 681

مساهمون:

ص٦٨١
يريد أن يكون عليه في ذاته . إنّما كان الخير حقّا في حقيقته إرادة لذاته ، فلم تستغوه حقيقته ولم تمل عليه أمره ، بل اختار هو ذاته ما كان عليه في ذاته لأنّ شيئا آخر لم يكن حتّى يكون هو مجذوبا إليه . / هذا ويسعنا أن نذكر ما يلي أيضا ، وهو أنّ أمرا من الأمور الأخرى لم يشتمل في ما قام عليه في ذاته على معنى كونه راضيا عمّا كان عليه في ذاته . فربّ امرئ ضاق ذرعا بما كان عليه في ذاته . أما الخير فإن قيامه في ذاته يشتمل على اختياره وعلى إرادته لذاته . وإلّا لصعب على غيره أن يكون راضيا عن ذاته / ما دام الرّضا عن الذات إنّما يتحقّق بحضور الخير أو بصورته . أمّا الألفاظ فلا بدّ من التّسامح فيها إن اضطرّ الباحث في الخير أن يلجأ إليها لأجل الدّلالة ، وهي لا تباح إن أردنا الدّقّة . فليدرك معناها في كلّ حال مع هذا بتقدير : « إن سوّغ لنا القول » . وإذا قام الخير في ذاته ، / وقام معه الاختيار والإرادة كلّ في ذاته إذ إنّه لا يكون بدونهما ، وجب في ذلك كلّه الّا يكون ذا كثرة . ألا وإنّه لا بدّ أن تتّحد إرادته مع ما كان هو عليه في ذاته . فإنّ إرادته انبعثت منه لا محالة ، وكان كونه حقّا لكونه من ذاته منبعثا ، فاكتشف العقل بذلك أنّ الخير هو الذي أبدع ذاته . فإن كانت إرادته / منه منبعثة وكأنّها فعله ، وكانت هذه الإرادة فيه هي وقيامه في ذاته شيئا واحدا ، كان هو ذاته الذي أقام ذاته في ذاته . فلم يتّفق له أن يستوي على ما كان عليه في ذاته ، بل كان ما أراد هو ذاته أن يكون عليه في ذاته . 14 هذا ولا بدّ من أن ننظر في المسألة التالية : كلّ ما يقال فيه إنّه كان حقّا ، إمّا أن يكون هو وكونه حقّا شيئا واحدا وإمّا أن يختلف طرف عن الآخر . فالإنسان الفرد المعيّن مثلا هو شيء والحقّ إنسانا هو شيء آخر . فإنّ للإنسان الفرد نصيبا من الحقّ إنسانا . أمّا النّفس فإنّها مع الحقّ نفسا شيء واحد إن كانت النّفس أمرا بسيطا ولم تكن لازمة لغيرها . / وكذلك القول في الإنسان بالذات وفي الحقّ إنسانا . هذا وقد اتّفق للإنسان الفرد أن ينشأ ، وهو غير الحقّ إنسانا ؛ أمّا الحقّ إنسانا فلم ينشأ بالمصادفة إذ إنّه الإنسان ذاتا من تلقاء ذاته . فإن أقام الحقّ إنسانا من تلقاء ذاته ولم يكن بالاتّفاق أو العرض ، / فكيف يقال في ما استوى فوق الإنسان بالذات وأبدعه ، وفي ما منه انبعثت الحقائق كلّها إنّه كان مصادفة واتّفاقا ، ألا وإنّه في طبيعته أبسط من الحقّ إنسانا ومن كونه الحقّ حقّا على وجه الإطلاق ؟ فقد يستحيل القول بالاتّفاق إذا في ما يقرب من البسيط ؛ فيستحيل القول به أيضا في ما كان البسيط المطلق . / ثمّ يليق بنا أن نذكر ما قد سبق ذكره ، وهو أنّ كلّا من الأمور التي كانت حقّا وضمنت لها حقيقة الخير قيامها في ذاتها ، ( وإن يكن في العالم الحسّيّ أمر من نوعها ) ، إنّما باتت على هذه الحال بكونها منبعثة من الملأ الأعلى . / وأعني بكونها على هذه الحال أنّها حاصلة على سبب