كان في المنحاز حاصلا ، فلم يكن منحازا بالضّرورة ، بل كان هو للأمور الأخرى ضرورتها وحكمها . أنقول إذا بأنّ الضّرورة هي التي أقامت ذاتها في ذاتها ؟ / كلّا ! ليس الخير قائما في ذاته أيضا ، ما دامت الأمور الأخرى به في ذاتها قائمة وعنه متأخّرة . فالذي كان وما كان في الذات قيام ، كيف يتكفّل له غيره بقيامه في ذاته ، أو كيف يجعل ذاته قائما في ذاته ؟
11 ولكنّ شيئا لا يقوم في ذاته ، ما عساه أن يكون ؟ ألا ! ينبغي الآن ننصرف صامتين تاركين الأمر على إشكاله في قضيّته ، فلا بحث عن شيء بعد ذلك . ولعمري ، ما عسى أن يكون الذي عنه نبحث وليس أمامنا شيء إليه ننتهي ، ما دام البحث حركة إلى الأصل تنتهي وفي مثل هذا الأصل تسكن مستقرّة ؟ فضلا على أنّ كلّ بحث إنّما / يتصوّر بحثا عن الشّيء « ما هو » و « كيف كان » و « لم كان » و « هل كان » ؛ أمّا كون الشّيء حقّا بمعنى ما نقول في الخير إنّه « كان حقّا » ، فإنّما نتبيّنه ممّا جاء عنه متأخّرا . أمّا « لم كان الشّيء » ، فيعني بحثا عن أصل آخر ، وما من أصل لما كان للكلّ أصلا . أمّا « كيف كان » الشّيء فيقتضي البحث عمّا كان للخير لازما ، ولم يكن للخير قطّ لازم . أمّا البحث عن الشّيء « ما هو » فالأجدر به أن يدلّ / على أنّه ينبغي للخير الّا يبحث على حقيقة فيه كان عليها منطويا . بل يجب أن ندركه هو وحده بالروح إن استطعنا ، وأن نعلم أنّه حرام علينا أن نضيف إليه شيئا . والظاهر بوجه عامّ ، أنّا نتخيّل هذه المشكلة في الأمر الذي نحن بصدده - هذا إن تخيّلناها - من خلال تصوّرنا مجالا أو مكانا كأنّه لجّة عظيمة . / ثمّ إذا تصوّرنا مجالنا سقنا ذلك الأمر إلى المكان الذي نشأ أو الذي نتخيّله . حتّى إذا أدخلناه في مثل هذا المكان أصبحنا بحيث كأنّا نبحث عنه أنّى قدم وكيف جاء إليه ، فكأنّه دخيل أخذنا نطلب سببا لحضوره ولما هو بمثابة ما كان عليه في ذاته . / فغدا وكأنّه قد رمي به هنا من الأسافل أو الأعالي . ولذلك ينبغي لنا أن نحذف سبب مشكلتنا فنجعل كلّ مكان غريبا على نظرتنا إلى الأمر الذي نحن في صدده . فلا نفترضه قطّ في مكان مهما يكن ، سواء أكان ثابتا أزلا في هذا المكان وفيه مقيما أم كان قد جاء إليه . / بل نتصوّره قائما وحده حقّا ، على ما كان عليه حقّا فيوصف بأنّه « كان حقّا » ، لما يقتضيه اللّفظ من ضرورة . أمّا المكان ، فشأنه مثل شأن الأمور الأخرى ، أن يكون متأخّرا ، بل في أقصى المتأخّرات كلّها . فإذا ما تصوّرنا هذا المنزّه عن المكان على نحو ما نتصوّره ولم نجعل من حوله ما يكون منه بمثابة دائرة ، ولم يسعنا أن نقدّره حقّ قدره ، قلنا إنّ القدر لا يقع عليه عرضا . / فننفي عنه الكيف أيضا ولا نعمّره بصورة حتّى ولو كانت روحانيّة ، كما أنّا ننفي عنه كلّ علاقة بينه وبين غيره إذ إنّه قائم في ذاته ، ولقد قام في ذاته وما كان شي سواه . فما عسى ، بعد ذلك ، أن يعني قولنا بأنّه اتّفق له أن يستوي على ما كان عليه ؟ أو كيف ننطق بذلك كلّه في حين أنّ كلّ ما سوى ذلك ممّا يعرف بأنّه يقال سلبا . فالأصحّ هو الّا نقول : /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 678
مساهمون: أفلوطين
ص٦٧٨