بحكم ضرورة ترد من الخارج ، إذ إنّه لا يفعل عبثا . فكيف يكون فعل تلك الأمور فعلا حرّا / مستقلا وهي خاضعة لما قامت بطبعها ؟ لكن إن لم تكن مكرهة على أن تتبع غيرها ، كيف توصف بأنّها مستعبدة ؟ كيف يقال في الشّيء مدفوعا إلى الخير إنّه مكره على ذلك ثمّ تكون رغبته في الخير رغبة إراديّة ، ما دام عالما بأنّ من الخير له أن يوجّه شطر الخير وجهه ؟ فإنّ الفعل القسريّ هو / ردّ عن الخير إلى المكروه إذا ما دفعنا إلى ما لم يكن خيرا لنا . والرّقّ في أن تنزع زمام الأمر لدى إقبالك على الخير ، وفي أن يلقى هذا الزّمام إلى آخر هو فوقك يشرف عليك فيردّك عن خيرك ويجعلك له عبدا . ولذلك لم يكن الرّقّ ليعاب من حيث يصبح المرء به عاجزا / عن الإقبال على الشّرّ ، بل من حيث يمنعنا من الإقبال على ما كان خيرنا ليدفعنا إلى ما كان لغيرنا خيرا . ثمّ إن قيل في الأمر إنّه خاضع لما كان طبعا عليه في ذاته فتلك المقالة تجعل الأمر أمرين : العبد والمطاع . أمّا الحقيقة البسيطة ، القائمة لكونها تحقّقا واحدا ، غير مختلف كونها بالقوّة عن كونها بالفعل المحقّق ، فما بالها لا تكون طليقة حرّة في تصرّفها ؟ / فليس يعني القول فيها إنّها تتحقّق بما كانت عليه طبعا ، إنها في ذاتها ، تختلف عنها في تحقّقها ، ما دام كون الشّيء حقّا في عالم الروح هو التّحقّق عينا . وإن لم تكن فاعلة لغيرها أو تابعة لغيرها ، فكيف لا تكون طليقة حرّة في تصرّفاتها ؟ بل هي طليقة حرّة ولم يكن القول بالفعل المباشر قولا يناسبها . / إنّما نحن هنا أمام أمر أعظم من أمر الفعل المباشر . فإنّ فعل تلك الحقيقة هو فعل مباشر بمعنى أنّه لا يتولّاه غيرها وأنّ غيرها لا يتولّى تحقّقها . كما أنّه لا يكون غيرها لما كانت عليه في ذاتها وليّا ، ما دامت هي الأصل بالذات . حتّى ولو كان للروح أصل آخر ، فإنّ هذا الأصل لم يكن على الروح غريبا ، بل هو في الخير كامن . وإذا تحدّد الخير به ، فبأن يصبح المباشر لفعله والمستقلّ به أحرى أيضا ، إذ إنّ الاستقلال بالفعل والمباشرة له من أجل الخير يطلبان . / إن كان بالخير متحقّقا إذا ، غدا بأن يكون المباشر لفعله أجدر . فإنّ حقيقة الروح تنطوي إذ ذاك على الخير ، ترغب فيه من تلقاء ذاتها وفي ذاتها ، ما دامت موجّهة إلى الخير وجهها ، وحالها حينئذ نعم الحال حقّا .
5 هل ينحصر الفعل المراد المستقل والفعل المباشر في الروح العارف الطاهر وحده ، أو يكون في النّفس أيضا وقد غدا تحقّقها بالروح قائما وعملها بالفضيلة مسيّرا ؟ ولئن سلّمنا للنّفس العاملة بأنّها هي لفعلها مباشرة ، فربّما وجب أوّلا الّا نسلّم لها بأنّها تولّت إنجاحه ، إذ لسنا لإنجاح الفعل بأولياء . / أمّا أن نتولّى هي عملها الصالح وقضاء كلّ ما يوحي الروح به ، فقد يصحّ فيها القول بذلك . ولكن على أيّ معنى يكون هذا فعلا نباشره ؟ إنّ قاتلنا بشجاعة مثلا لأنّ حربا قد نشبت . أعني : كيف نتولّى نحن التّحقّق حينئذ ، ثمّ إن لم تقع حرب لم يكن هذا التّحقق
تاسوعات أفلوطين — صفحة 671
مساهمون: أفلوطين
ص٦٧١