يدرك بالعرفان أو كيف يعرف ذاته ؟ فما عساه أن يمسي ما كان عنه باحثا أو كان فيه راغبا ؟ قد يكون الجواب : يتبيّن قوّته ما أوسعها مدى بمعنى أنّ قوّته كانت عنه مستقلّة بقدر ما كان هو يعرفها . يعني أن تكون قوّته قوّتين : / تلك التي يعرفها وتلك التي يعرف بها ، على أنّهما مختلفتان . أمّا إن كانت القوّة واحدة ، فما عسى أن يصبح ما كان أمرنا عنه باحثا .
41 إنّه يجوز في العرفان أن يكون عونا أمدّت به الأمور التي أوتيت من اللاهوت حظّا وافرا ، بيد أنّها ما تبرح دون المنتهى ، فغدا العرفان بمنزلة البصر لها بيتا وهي عمياء . ولكن كيف يحتاج البصر ، وهو نور في حدّ ذاته ، إلى أن يشاهد الحقّ ؟ أمّا الذي يحتاج إلى البصر ، فهو الذي يبحث عن النور بوساطة بصر يلجأ إليه ما دام هو من تلقاء ذاته ليس لديه الإظلام . فإن كان العرفان نورا ، / ولم يكن النور ليطلب نورا ، لم يكن هذا الضّياء الساطع الغنيّ عن النور ليطلب العرفان ، كما أنّه لا يلحق العرفان به مزيدا . وما الذي يكفل له الروح أو يزيد عليه ، والروح ذاته في الحاجة حتّى يقوم بعرفانه ؟ إنّ الخير لا يشعر بذاته إذا ، لأنّه لا يحتاج إلى الشّعور بذاته . كما أنّه لا يقوم باثنين ، وبألّا يقوم بأكثر من اثنين أحرى : أعني أنّه هو بذاته يقوم ، وبالعرفان أيضا / إذ لم يكن هو العرفان عينه ، وبالأمر الثالث كذلك إذ لا بدّ منه فهو المعروف . أمّا ما دام الروح هو العرفان والمعروف فقد أصبح الثّلاثة أمرا واحدا وزال بعضها في بعضه الآخر ، إلّا أنها كانت باختلاف بعضها عن بعضها الآخر متمايزة فبطلت في كونها الخير محضا . ينبغي لك أن تتخلّى عن الأمور الأخرى كلّها إذا لدى وصولك إلى الأمر الأعظم الذي لا يحتاج قطّ إلى نجدة : / فالمزيد نقصان لدى من كان عن كلّ شيء غنيّا . لا شكّ في العرفان أنّه كان له حسنا لأن النّفس في حاجة إلى الحصول على الروح . كما أنّه كان للروح حسنا أيضا لأنّ كون الروح حقّا هو والروح أمر واحد ، وهو العرفان الذي أبدعه . ينبغي أن يكون الروح مع العرفان دائما إذا ، وأن يدرك دائما كنه ما كان عليه في ذاته ، أي أنّ هذا الروح هو ذاك العرفان بالذات / لأنّ الطّرفين أمر واحد . فلو كان الروح وحده أمرا واحدا لغدا بذاته مكتفيا ولما احتاج إلى ذلك الإدراك . وبعد ، فإنّما القول « اعرف ذاتك » هو قول قصد به الذين بات ما كانوا عليه في ذواتهم شيئا ذا كثرة . فيكلّفون بأن يحصوا ما كانوا عليه في ذواتهم وبأن يتبيّنوا أنّهم لا يعرفون كلّ ما كانوا عليه كمّا وكيفا أو شيئا منه قطّ ، كما أنّهم يجهلون الأصل الحاكم لديهم والأصل الذي به أمسوا ما كانوا عليه في ذواتهم . / أمّا الخير ، فإن كان لذاته شيئا ، كان هذا الشّيء أعظم من أن ينال ذاته بإدراك أو عرفان أو شعور : بل إنّه هو ذاته ليس شيئا لذاته . لا يخلي بين شيء وبين أن ينفذ إلى ذاته ، فحسب ذاته ما كان عليه في ذاته . حتّى وأنّه ليس بخير لذاته ، إنّما كان خيرا لغيره . فإنّ غيره يحتاج إليه وهو في غير حاجة إلى ما قام عليه في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 666
مساهمون: أفلوطين
ص٦٦٦