عين الصّواب . فإنّ الروح ما دام مدركا بالعرفان ، ينبغي له أن يدرك الشّيء على أنّه شيء آخر وعلى أنّه ما كان هو عليه في ذاته . فإنّه لا يميّز بينه هو ذاته وبين الحقيقة / التي يعرفها بمجرّد كونه في ذاته أمرا يختلف عنها . كما أنّه لن يشاهد قطّ الأشياء كلّها ما دامت خلافيّة غير ناشئة ليكوّن هو بها الأشياء كلّها . حتّى ولن تكون اثنينيّة قطّ . وبعد ، فإن كان شأن الخير أن يعرف ، كان شأنه الّا يعرف ذاته وحسب ، هذا إن بات عارفا حقّا . وما لم يعرف الأشياء كلّها ؟ ألأنّه لم يكن على الأمر قديرا ؟ إنّا بوجه عامّ نقول إن كان قد عرف ذاته ، لم يكن بالأمر البسيط ، / بل وجب أن يكون عرفانه لذاته عرفانا لغيره ، هذا إن كان يسعه شيء من العرفان للذات . فلقد ذكرنا أنّ عرفانا لن يكون ما لم يكن عرفانا يريد مشاهدة الذات على أنّها غير الذات . إذا عرف أصبح ذا كثرة في ذاته : أمرا معروفا ، وأمرا عارفا ، ومتحرّكا ، وإلى ما سواه ممّا يقال في الروح . فضلا على أنّه يليق بنا أن نذكر / ما قلنا في حينه وهو أنّ كلّ عرفان ، ما دام عرفانا ، إنّما ينبغي أن يكون شيئا متعدّد العناصر . أمّا الأمر البسيط ، والذي يكون كلّا متساوي الحال في ذاته مثل الحركة ، إن كان حاله بحيث يشبه الإدراك لمسا ، فإنّه لا يشتمل على نورانيّة قطّ . ثمّ ما ذا ؟
أيستوي جاهلا لغيره وجاهلا لذاته ؟ ألا إنّه مستو ثابتا في جلاله . فإنّ الأمور الأخرى / كانت عنه متأخّرة ، وكان هو ولم تكن ، ثمّ كان هو على ما هو عليه في ذاته . أمّا العرفان لدى الأمور ، فإنّه شيء مكتسب ، ولا يبقى على حاله . ما دامت هي لا تثبت على حال . بل حتّى ولو عرف خيرنا المحض الثابتات ، لكان مع ذلك ذا كثرة . فإنّه من المستحيل أن يتوافر للمتأخّرات مع العرفان حصول على الذات ، ثمّ تكون عرفانات الخير المحض صورا مجرّدة فقط لا شيء فيها عليه تنطوي . أمّا العناية ، فحسبنا كونه هو ذاته للأشياء كلّها أصلا . / وكيف يكون هو مع ذاته ، إن لم يكن ليعرف ذاته ؟ الواقع هو أنّه مستو ثابتا في جلاله . لقد أتى أفلاطون على ذكر الذات فقال فيها إنّ من شأنها أن تعرف ، ولم يقل فيها إنّ من شأنها أن تستوي ثابتة في جلالها . وهذا يعني أنّ الذات تعرف ، وأنّ ما لا يعرف إنّما كان هو المستوي ثابتا في جلاله . / على أنّ أفلاطون قال في أصلنا إنّ « شأنه أن يستوي ثابتا » لأنّه لم يسعه أن يعبّر عن الواقع بعبارة أخرى ، وهو معتقد في المتعالي عن العرفان أنّه الأشدّ جلالا وأنّ جلاله له هو الجلال حقّا .
40 هذا واستواؤه بحيث لا يعزى إليه عرفان ، أمر يعرفه أولئك الذين لمسوا ذلك الأصل لمسا . غير أنّه لا بدّ من أن نضيف إلى ما ذكرنا أقوالا يطمئنّ القلب إليها ، اللّهمّ إن أتيح للكلام أن يتّسع للدّلالة هنا . فإنّ لا بدّ لليقين من أن يكون مقرونا بالضّرورة . ينبغي أن نعرف إذا ما يلي فنقف عليه ، / وهو أنّ كلّ عرفان ينبعث من شيء ويكون بشيء آخر عرفانا . فإن اتّحد العرفان بما كان منه منبعثا غدا عرفانا محلّه صاحب العرفان ، فكأنّه يقع على هذا الأخير ويكون تحقّقه ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 664
مساهمون: أفلوطين
ص٦٦٤