ويكمله في كونه بالقوّة ثمّ لا يخلف هو شيئا ، بل يكون لصاحبه بمنزلة الكمال له فقط . / أمّا إذا بقي العرفان مع الذات ، يكفل للذات قيامها في ذاتها ، استحال عليه أن يكون في ما غدا منه منبعثا ، إذ إنّه ، ما دام فيه ، لم يكن ليولّد شيئا . لكنّه ما دام للإبداع طاقته ، استوى قائما في ذاته وأبدع وكان تحقّقه هي ذاته عينها . فهو متّحد بالذات وثابت في الذات ، / وليس بين العرفان والذات خلاف . حتّى ولو كانت هذه الحقيقة تعرف ذاتها ، لن يكون الخلاف إلّا بالذّهن فقط بين المعروف والعارف ، ما دام كلاهما أمرا ذا كثرة ، على نحو ما دللنا عليه غير مرّة . وهذا هو التّحقّق الأوّل الذي أبدع للذات قيامها في ذاتها ، وهي أثر لأمر ما آخر كان من العظمة بحيث إنّ أثره أصبح ذاتا قائمة في ذاتها . / ولو كان هذا التّحقّق تحقّق الخير فقط ، ولم يكن من الخير منبعثا ، لما كان إلّا للخير أمره ولما غدا أمرا قائما في ذاته . وما دام هو التّحقّق الأوّل والعرفان الأوّل لم يكن ليتقدّمه تحقّق ولا عرفان . فإذا ارتقينا من هذه الذات وهذا العرفان لم / نكن لننتهي إلى ذات أو عرفان ، بل إلى وراء الذات والعرفان وفوقهما ، إلى ذلك الأمر العجيب الذي لا ينطوي في ذاته على ذات وعرفان ، بل يستوي منفردا في ذاته لا يحتاج قطّ إلى ما كان منه منبعثا . ولا يجوز وصفه بأنّه سبق وحقّق فأبدع التّحقّق ، وإلّا ، لكان التّحقّق ولمّا ينشأ تحقّق . /
كما أنّه لم يبدع العرفان بمبادرته إلى العرفان أوّلا ، وإلّا لكان مدركا العرفان ولمّا ينشأ . فنقول في العرفان إجمالا إنّه لو كان للخير عرفانه لغدا دون الخير مقاما ، فلم يكن من الخير ذاته .
ولست أقول إنّه ليس من الخير بمعنى أنّه يستحيل على الخير أن يدرك بالعرفان ، وهو معنى جائز ، بل بمعنى أنّ عرفانا ، لا يكون من الخير في ذاته ، / وإلّا لغدا الخير وما كان دونه مقاما أمرا واحدا . فإن كان العرفان هو الأدنى غدا شأن العرفان أن يكون مع الذات . فلو كان العرفان هو الأشرف لغدا شأن الذات الروحانية أن تكون أحطّ منه مقاما . ليس العرفان في الخير ذاته إذا ، بل ما دام أحطّ من الخير مقاما ، ولو كان يصيب قدره من هذا الخير عينه ، فإنّه في كلّ محلّ يختلف عن الخير ذاته . / فيدع الخير ، مثلما كان بريئا من الأمور الأخرى ، بريئا منه أيضا هو العرفان . وما دام الخير من العرفان في براء ، كان منزّها عن كلّ شائبة في ما هو عليه في ذاته ، لا يكدّره العرفان بحضوره فيجرّده من صفائه ووحدته . وإن تصوّرناه عارفا ومعروفا ، أو ذاتا وعرفانا لازما للذات ، وأردنا بذلك أن نتصوّره عارفا لذاته ، / احتجنا إلى خير متقدّم على الذي نحن في صدده . فإمّا أن يكون التّحقّق والعرفان كمالا لشيء آخر هو محلّهما ، وإمّا أن يكونا مع هذا الشّيء أمرا واحدا قائما في ذاته . وما دامت هذي حالهما كان متقدّما عليهما كليهما أيضا أمر به يصحّ العرفان طبعا . فإنّ للعرفان مدركا يدركه لأنّ أمرا آخر كان عليه متقدّما . وإذا عرف العرفان ذاته فكأنّه يدرك ما بين يديه ، وقد شاهد فيه هو ذاته ما كان غيره . / أمّا الأمر الذي لا يتقدّمه شيء سواه أو لم يتّصل به شيء جاءه من غيره ، فما عساه أن
تاسوعات أفلوطين — صفحة 665
مساهمون: أفلوطين
ص٦٦٥