غدت على هذه الحال تمّ لها القرب ، وبدا الأصل نورا بعد ذلك ، في جوارها ، ناشرا نوره على العالم الروحانيّ كلّه . عند ذاك تدع النّفس كلّ علم جانبا ، وقد كانت إلى هذا الحدّ / تساق أخذا باليد وهي في الحسن قائمة ، تسترسل إلى العرفان بالروح ما دامت من الحسن عند حدّه . لكنّها لا تلبث حتّى تنزع من ذاتها ويدفع بها دفعا شيء كأنّه موج الروح ذاته ، وكأنّ هذا الموج يتضخّم فيرفعها إلى العلى ، فإذا بها تنفذ برؤيا إلى الضّمير دفعة واحدة ، وهي لا تدري بالأمر كيف حدث . إلّا أنّها هي المشاهدة ملأت عليها بالنور عينيها وجعلتها لا ترى بهذا النور شيئا سواه ، فكان النور هو عينه المشاهد بالذات . / فلم يكن في هذه المشاهدة شيء يرى وشيء آخر هو نوره ، لا روح عارف روحانيّ معروف ، بل ضياء ساطع أبدع هذه الأمور وتركها لدى النّفس المشاهدة قائمة . أمّا أصلنا فليس إلّا ضياء ساطعا أبدع الروح ثمّ لم يفقد من ضيائه الساطع في حال إبداعه . بل يبقى هذا الضّياء الساطع على ما كان عليه في ذاته ، ويكون المبدع قد نشأ بكون الأصل قائما حقّا . / فلو لم يكن الأصل على هذه الحال ، لما استوى المبدع قائما في ذاته .
37 حتّى الذين يسلّمون له بالعرفان ، لم يسلّموا له بعرفان ما كان دونه ومنه خرج . على أنّه ليس من المعقول ، في ما يرى بعضهم ، أن يكون لغيره جاهلا . لكن فلندع هذا . إنّ أولئك القوم إذا لم يجدوا شيئا أشرف من العرفان فنسبوا إليه كونه العرفان بذاته . فكأنّه يزداد بالعرفان وقارا / وكأنّ عرفانه من كونه على ما هو عليه في ذاته ، بل من كونه متكفّلا هو ذاته بحرمة العرفان . ولعمري ، بما ذا كانت كرامته : أبالعرفان أو بما كان عليه في ذاته ؟ فإن كانت بالعرفان ، فليس كريما بما كان عليه في ذاته أو كان أقلّ كرامة عند ذاك . وإن كانت بما عليه في ذاته كان قبل العرفان كاملا ولم يكن بالعرفان مكملا . وإذا قالوا إنّه فعل وليس قوّة ، فلا بدّ له من العرفان ، / كنّا من قولهم تلقاء وجهين : فإمّا أن يعنوا أنّه ذات عارفة على الدّوام ، وهو بذلك تحقّق ، فيذهبون إلى أنّ فيه أمرين بالذات والعرفان ، ولا يرونه شيئا بسيطا ؛ بل إنّهم يضيفون إليه ما كان عنه مختلفا مثلما يكون الإبصار محقّقا من العينين ولو كانتا على الدّوام ناظرتين . وإمّا أن يعنوا أنّه متحقّق لأنّه تحقّق وعرفان ، / فلا يكون عارفا ما دام عرفانا مثلما أنّ الحركة ، من حيث كونها حركة ، لا تتحرّك . فما ذا إذا ؟ ألستم تقولون أنتم أيضا في الأمور الروحانيّة إنّها ذات وتحقّق ؟ بيد أنّا نسلّم بأنّ فيها كثرة واختلافا في حين أنّ الأوّل بسيط . ثمّ إنّا نسلّم بالعرفان لما ينبعث من غيره وكأنّه يبحث عمّا هو عليه في ذاته ، وعن ذاته وعن الذي أبدعه . / فينثني على ذاته في مشاهدته ، فيستوي في أثناء عرفانه ، روحا حقّا . أمّا ما لا ينشأ ولا يتقدّم عليه متقدّم بل لا يزال دائما على ما كان عليه في ذاته ، فما عسى أن يكون له من داع إلى العرفان ؟ ولذلك بالصّواب يقول أفلاطون فيه إنّه فوق الروح . فإنّ روحا غير عارف ليس أمرا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 662
مساهمون: أفلوطين
ص٦٦٢