تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
المجازيّة أحفظ للمقايسة التي نحن بصددها لو لم يكن من يقابل مشاهد الدار إنسانا بل إلها ما ، لا يظهر للبصر بل يملأ نفس المشاهد . إنّ للروح إذا أوّلا قوّة على العرفان بها / يرى ما ينطوي عليه هو ذاته . وله أيضا قوّة بها يعرف ما وراءه وفوقه بإدراك ما وتلقّ ، فيرى أوّلا ثمّ يحصل برؤياه على كونه روحا وكونه أمرا واحدا في ذاته . فالقوّة الأولى هي مشاهدة الروح حكيمة والقوّة الثانية هي الروح عاشقا . وإذا فقد الرّشد وأصبح في نشوة الكوثر ، عند ذاك يصبح عاشقا / وقد أمسى أمرا بسيطا يسعد بالرّغد . والنّشوة خير له من الترفّع عنها وهي من هذا الطّراز . أو يرى هذا الروح الأشياء جزءا جزءا ، فتارة جزءا وطورا جزءا آخر ؟ كلّا ! أمّا العقل فيعلم ويجعل الأمور حوادث تنشأ . أمّا الروح فالعرفان حاصل فيه دائما ويحصل فيه أيضا ما ليس بالعرفان ، بل ما يكون ، بمعنى آخر ، نظرا في الأصل الذي نحن بصدده . / فإنّه إذ يرى ذلك الأصل الذي تحصل فيه أمور تولّدت فيشعر بها تتولّد وفيه تقوم . وإذا شاهد هذه الأمور قيل فيه إنّه يدرك بالعرفان ، أمّا ذلك الأصل فإنّه يدركه بالقوّة التي شأنها أن تصبح إدراكا بالعرفان . أمّا النّفس فكأنّها تشوّش على الروح المستقرّ فيها أمره وتطمس معالمه لأنّ روحها أجدر بأن يرى هو الأوّل . ثمّ تنتهي المشاهدة إليها ويصبح / الأمران أمرا واحدا . أمّا الخير فيكون مشتملا عليه مندمجا في بنيانهما ، يتخلّلهما ويوحّد بينهما . إنّه يستوي فوقهما ويتيح لهما السّعادة بالشّعور والمشاهدة . فهو يرفعهما بحيث يكونان لا في مكان ولا في حال كون الشّيء في آخره حيثما يكون الشّيء في آخر طبعا . فإنّه هو أيضا منزّه عن الجهة ، / فيه كان المكان الروحانيّ ولم يكن هو في شيء آخر . ولذلك لم تكن النّفس هي ذاتها لتتحرّك حينئذ لأنّ ذلك الأصل لا يتحرّك هو أيضا . وليست بنفس إذا لأنّه ليس لذلك الأصل حياة بل هو فوق الحياة . ثمّ ليست بروح يعرف لأنّ ذلك الأصل لا عرفان له . فينبغي لها أن تحاكيه . أمّا أن تدركه بالعرفان فأمر مستحيل لأنّه ليس يدرك بالعرفان . / 36 أمّا المسائل الأخرى فغنيّة عن البيان ، وقد ألممنا أيضا بشيء من هذه المسألة الأخيرة . على أنّه ، مع ذلك ، لا بدّ من أن نتناولها بإيجاز فننطلق ممّا ذكرنا ، ثمّ نواصل سياقنا بوساطة الاستدلال . فإنّ إدراك الخير معرفة أو لمسا إنّما هو الأمر الأعظم ، يقول فيه أفلاطون إنّه « العلم الأعظم » ، فلا يعني بالعلم النّظر إلى ذلك الخير أصلا ، / بل يعني علما بشيء منه يقع قبل هذا النّظر . أمّا التّعليم عن ذلك الأصل فيجري بالقياس والتّجريد الذّهنيّ ، ومعرفة ما منه خرج والارتقاء إليه بالتّدريج . وأمّا السّير إليه فبالطّهارة ، والفضيلة ، وتحلية الباطن ، والتّقرّب من عالم الروح والإقامة فيه والاشتراك في ولائمه . / فتصبح النّفس معها هي ذاتها ومع غيرها المشاهد والشّهود ، وتكون ذاتا وروحا وحياة كاملة ولا تعود تشاهد أصلها من الخارج . وإذا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 661 | أفلوطين