تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
النّفس عليه بحثت هي عمّا كان فوقه / فعمره بالصورة . فالعقل يدلّ على أنّ القائم بصورة والصورة والمثال هي أمور يقع القياس عليها كلّها . وهذا يعني أنّها ليست الكلّ ولا تكتفي بذاتها وليست من تلقاء ذاتها حسنة ، بل كلّ ذلك قائم بمزيج . فليقع القياس على هذه الأمور الحسنة ، على الّا ينال الحقّ حقّا والحسن الفائق قياس . وإن كانت هذي حاله ، فإنّ صورة لا تعمّره / وليس هو بمثال . فالحسن أصلا والأوّل إنّما كان عن المثال منزّها ، والحسن في الملأ الأعلى إنّما هو حقيقة الخير الروحانيّ . ويشهد على ذلك حال العشّاق ، بمعنى أنّه ما دام العاشق واقفا عند المظهر المحسوس ، أدرك المظهر ولمّا يعشق . لكنّه إذا انطلق من المظهر المحسوس وأحدث هو ذاته في ذاته أثرا غير محسوس في نفسه التي لا تتجزّأ ، نهض العشق حينئذ . / فيحاول العاشق أن ينظر إلى معشوقه لكي ينعش هذا الأثر إذا أدركه الذّبول . فلو أدرك بكياسته أنّه لا بدّ من الارتقاء إلى ما يكون أشدّ تنزّها عن الصورة لأحسّ بالشّوق إلى الأشرف . ذلك بأنّه ، منذ البداية ، كان يشعر بعشق لنور عظيم نبّهه فيه ضوء ضئيل . فإنّ أثر المنزّه عن الصورة صورة ، وأقلّ ما يقال في الأمر هو أنّ المنزّه عن الصورة / هو الذي يولّد الصورة ، وليست الصورة هي التي تولّده ، وهو يولّدها لدى إقبال الهيولى . أمّا الهيولى فإنّها في منتهى البعد لا محالة لأنّها ليس لديها ، من تلقاء ذاتها ، شيء من المثال بما فيه أقصاه سفلا . فالهيولى ليست هي المعشوق ، بل ما يجعل مثالا بوساطة المثال ، والمثال في الهيولى إنّما من النّفس ينبعث . ثمّ إنّ النّفس أوفر مثالا وأجدر / بعشق العاشق ، والروح أوفر مثالا منها أيضا وأشدّ جدارة بأن يعشق . وإن كان ذلك كذلك وجب القول في حقيقة الحسن الأولى إنّها عن المثال منزّهة . 34 فلا عجب في هذا الأصل الذي يثير فينا تلك الرّغبات الشّديدة إن كان فوق أن تناله صورة ولو كانت صورة روحانيّة . ثمّ إنّ النّفس إذا ملك العشق له عليها أمرها ، خلعت كلّ صورة كانت لديها ، حتّى تلك الصورة الروحانيّة المستكنّة فيها . فإنّه يستحيل عليها ، إن ملكت شيئا آخر وانهمكت به ، أن تشاهد ذلك الأصل وتطابقه . / بل ينبغي لها أن تكون خالية من كلّ شرّ حتّى ومن كلّ خير ومن كلّ شيء آخر لكي تتلقّاه وحده وهي وحدها . قد يسعد الحظّ النّفس فتدرك ذلك الأصل إذ يقبل هو عليها ، أو بالأحرى يتجلّى لها ، لأنّه دائما حاضر . فتكون النّفس قد عدلت بوجهها عن الأشياء التي تحيط بها ، وأعدّت ذاتها بأشدّ ما يكون حسنا / وانتهت إلى محاكاته . وهو إعداد وتحلّ معروفان لدى من يعالجهما . فما هي إلّا وتراه ظاهرا فيها ، لا يتوسّطهما شيء قطّ ، وقد بطلا في كونهما شيئين بل أصبح كلاهما أمرا واحدا . فلا يسعك أن تميّز بينهما ما دام هو حاضرا . ويحاكي حالهما حال العاشق والمعشوق يريدان أن يوحّدا بين ذاتيهما . / فلا تحسّ النّفس بعد ببدنها ولا تشعر أنّها حاصلة فيه ، ولا تقول في ذاتها إنّها شيء