تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 660

مساهمون:

ص٦٦٠
مغاير : إنّها الإنسان أو الحيوان أو الحقّ ، بل لا تقول في ذاتها إنّها الكلّ . فإنّ في مشاهدة ذلك كلّه تعكيرا لما تكون عليه . كما أنّها لا همّ لها بذاتها وليست بمريدة ، بل متقدّمة نحو ذلك الأصل الذي كان حاضرا ما دامت عنه باحثة ، / فها هي ذي تنظر إليه بدلا من أن تنظر إلى ذاتها . حتى وإنها لا بال لها بأن تتبيّن ، هي الناظرة ، ما عسى أن تكون عليه في ذاتها . فلا غرو إن لم تكن لتعدله بشيء من الأشياء ، حتّى ولو عرضوا عليها السّماء بما فيها وهي على يقين أنّ شيئا لن يكون ثمّ يفوقه فضلا وخيرا . فإنّها لن تسرع إلى فوق ما هي عليه صعدا ، إذ إنّه هبوط طلبها كلّ أمر آخر ، مهما سما بمقامه . / حينئذ يتمّ لها الحكم الصائب والمعرفة بأنّه هو الذي كانت ترغب فيه ، ويسعها أن تثبت مطمئنّة أنّ شيئا أشرف ممّا لديها لن يكون . لا مجال للضّلال هناك ؛ وليت شعري ، أين تصيب ما يكون أصدق من الحقّ الصّراح ؟ إنّ ما تقوله فيه ، ذلك هو إذا ؛ وهو قول يرد متأخّرا ، فتنطق به وهي صامتة وقد طاب الحال لها ؛ فلا تكون كاذبة إذ تقول بأنّ الحال قد طاب لها . / كما أنّها لا تقول قولها على أثر دغدغة في البدن ، بل بعد أن صارت ذلك الذي أصبحت على ما كان هو عليه في ذاته : حال تمّ لها وقد كان سعد الحظّ رائدها . كلّ ما لذّ لها في ما مضى ، من سلطان وقدرة ومال وحسن وعلم ، كلّ ذلك أصبح موضع احتقارها الآن ، وهي تجاهر بهذا الاحتقار ، ولما كانت لتجاهر لو لم تعثر على ما فاق كلّ ذلك شرفا ومقاما . وما دامت مع ذلك الأصل ، وليست عنه غافلة ، فإنّها لا تخاف من حال عليها يطرأ . / وإذا أدرك الفناء ما سواها من حولها ، فإنّ في هذا الفناء أمنيته القصوى ، حتّى تحلّ في جواره هو هي وحدها . أجل ، لقد انتهى بها أمرها إلى هذا القدر السعيد من الحال والمقام . 35 ثمّ إنّها تحسّ من ذاتها حينئذ ، بأنّها تستصغر العرفان الذي كانت تنشرح له في زمان آخر ، لأنّ العرفان كان حركة من وجه ما وهي الآن لا تريد أن تتحرّك . فإنّها لا تقول شيئا حتّى في ذلك الذي تشاهده ، وهي مع ذلك ، لا تشاهده إلّا لأنّها أصبحت روحا وكأنّها تجوّلت إلى ما كان الروح عليه في ذاته وحلّت في مقام الروح وعالمه . / لكن إذا حلّت في هذا العالم وجالت من حوله أصبحت الروحانيّات في حوزتها واسترسلت في عرفانها . حتّى إذا رأت ذلك الأصل تخلّت عن كلّ ما لديها . مثل ذلك مثلما لو دخلنا إلى دار كثرت أمتعته وكان بذلك جميلا ، فنشاهد أنواع الأمتعة في الداخل ويأخذنا العجب ، قبل أن يقع نظرنا على صاحب الدار . فإذا رأيناه وأحببناه لأنّه ليس في حال / تمثال أصمّ بل هو جدير بالمشاهدة حقّا ، تحوّلنا عن تلك الأمتعة ونظرنا إليه وحده دون ما سواه . ثمّ ننظر ولا نحوّل النّظر فلا نعود ننظر إلى مرئيّ مستقلّ لاستغراق مشاهدتنا ، بل يمتزج نظرنا بما نشاهد بحيث يتحوّل ما كان مرئيّا في البداية إلى الرّؤية بالذات ، ونسقط مشاهدتنا جميع الأمور الأخرى كلّها . وربّما كانت الصورة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 660 | أفلوطين