الأشياء كلّها ، فما عسى أن يكون قدره ؟ إنّه بلا نهاية ، وإن كان بلا نهاية كان لا قدر له . / فإنّ المقدار آخر ما في المتأخّرات ، وينبغي للخير ، إن كان للمقدار مبدعا ، الّا يكون له هو ذاته مقدار . ثمّ إنّ عظم الذات لا يقدّر بالكمّ ، بل يأتي بعد ذلك الأصل شيء آخر يقدّر بالمقدار . أمّا عظمه هو فبألّا يكون شيء يفوقه قدرة أو يتّسع لمماثلته . فما عسى / أن يكون منه ما يتساوى به الشّيء وقد أقبل ، ثمّ ليس لديه ما نجده هو ذاته في أصلنا ؟ ثمّ إنّ بقاءه على الدّوام واشتماله على الأشياء كلّها لا يشكّلان له قياسا كما أنّهما لا يجعلانه بدون قياس ، وإلّا فكيف يكون للأمور الأخرى قياسها ؟ لا غرو أيضا إن لم يكن له شكل . ولعمري ، إن كان الشّيء معشوقا ، ثمّ لم يسعك أن تتبيّن فيه شكلا أو صورة ، أصبحت منه أشدّ ما تكون له عشقا / وحبّا ، وحلّ من العشق فيك آنذاك ما ليس له حدّ . أجل ، إنّ العشق هنا لا يضبط بحدّ لأنّ المعشوق لا حدّ له هو أيضا ، إنّما لا يكون للعشق نهاية ما دام هو المعشوق . فلا غرو إن كان حسنه حسنا بوجه آخر ، وهو حسن لا حسن فوقه . وليت شعري ، ما عسى أن يكون حسنه ما دام هو ذاته ليس بشيء حقّا ؟ لكنّه هو المعشوق ، فكان للحسن هو المبدع . / إنّه الطاقة إذا لكلّ شيء حسن وهو للحسن ازدهاره ومبدعة . يبدع الحسن ويزيده حسنا إذ يفيض بالحسن من تلقاء ذاته ، فهو للحسن أصله وحدّه الأقصى ؛ وما دام للحسن أصله ، فإنّه يخلع الحسن على ما كان له أصلا ثمّ لا يجعل الحسن في صورة ، بمعنى أنّ الحسن المبدع يكون بغير صورة / مع كونه في صورة من وجه آخر . ذلك بأنّ ما نتصوّره هو وحده على أنّه صورة ، إنّما يكون صورة في غيره . لكنّه هو منزّه عن الصورة ما دام قائما في ذاته . إنّما المعمور بالصورة هو ما يستمدّ الحسن بالاشتراك وليس الحسن في ذاته .
33 ولذلك ، عندما تذكر الحسن ، كن حريصا على أن تتحاشى صورة بهذا المعنى ، بل على الّا تقيمها نصب عينيك ، حتّى لا تهوى من الحسن ذاته إلى ما يقال فيه إنّه الحسن بالاشتراك المكدّر . فإنّ المثال منزّها عن الصورة حسن ما دام مثالا ، وذلك بقدر ما تجرّده كلّ صورة ، حتّى من الصورة الذّهنيّة مثلا . / فإنّا بها نقول في الشّيء إنّه يختلف عن غيره ، مثلما نقول في العدل إنّه يختلف عن التّعفّف مع كون الأمرين كليهما حسنا . وإذا عرف الروح شيئا خاصّا قلّ قدره حتّى ولو أدرك في آن واحد كلّ ما في العالم الروحانيّ . فإن أدرك فردا ، أخذ صورة روحانيّة واحدة ، وإن أدرك الأمور كلّها في آن واحد وكأنّها أمر واحد مختلف العناصر كان لا يزال في نقصان . يجب أن يتبيّن ما يستوي فوق ذلك كلّه من أيّ طراز طرازه : / أعني الحسن الكلّيّ الذي تختلف فيه عناصرها وهي لا تختلف . فإنّ في النّفس شوقا إليه وهي لا تدري لما ذا ترغب فيه . إنّما يدلّ العقل على أنّ ذلك الأصل هو الحقّ حقّا ما دامت حقيقة الأشرف والمعشوق الأعظم في أن يكون عن المثال منزّها . ولذلك أيّا ما رددت إلى مثال ثمّ دللت
تاسوعات أفلوطين — صفحة 658
مساهمون: أفلوطين
ص٦٥٨