في جواره . / والنّفس أيضا ، إذا قدرت ، وجّهت وجهها إليه حالما عرفته وشاهدته فابتهجت لدى مشاهدته ، وبقدر ما كانت لهذه الرّؤيا متّسعة ملك الصّعق عليها أمرها . لقد رأت وكأنّها صعقت ، وأحسّت بأنّ شيئا فيها قد حصل وأصبح حالها من الشّوق في تباريحه . كذلك تثير صورة الحبيب الشّوق إلى مشاهدة الحبيب ذاته . / فإنّ العاشق هنا يتكيّف لمحاكاة معشوقة فيجعل جسمه على أشدّه أناقة ويسوق نفسه إلى التّشبّه ، وهو لا يريد أن يكون دون الحبيب قوّة في التّعفّف والفضائل الأخرى . وإلّا لردّه / الحبيب المتحلّي بهذه الصّفات ، فلا يسعه أن يصاحبه إلّا إذا كانت تلك حاله . على هذا الوجه تعشق النّفس الأصل الذي نحن في صدده ، وهو الذي بادر فدفعها إلى أن تعشقه . وما دامت للعشق مهيّأة ، فلن ترتقب من وجوه الحسن هاهنا أن تنبّهها . بل العشق بين يديها ، فهي ، وإن تك به جهولا ، / تودّ دائما وتريد أن تحمل إليه ناظرة من عل إلى الدّنيويّات . ثمّ إنّها إذا شاهدت وجوه الحسن في عالمنا الكلّيّ ترفّعت عنها لأنّها تراها أشياء قائمة في اللّحم والبدن ، يلطّخها منزلها الحاضر بأوساخه ، ويتوزّع المقدار أجزاءها ، فلا تكون الحسن في وجوهه بحال . أمّا الروحانيّات ، فإنّها ، في ما هي عليه ، / تمتنع عن أن تهوي إلى أو حال الجسد فتتلطّخ وتزول . وعندما ترى النّفس دنيويّاتنا في مساقها تجري ، لا تلبث أن تدرك تماما بأنّ يتلألأ فوقها إنّما من غيرها يأتي . فتخفّ النّفس إلى العالم الأعلى يدفعها الهوى دفعا إلى أن تعثر على معشوقها ، ولا تنثني حتّى تدركه إلّا إذا جرّدت من حبّها . /
وعند ذاك تكون قد شاهدت الحسن كلّه والحقّ الصّراح ، وتكون قد اشتدّت لما حفلت به من مزيد من الحياة الحقّة ، وأصبحت هي ذاتها الحقّ حقّا ، وتمّ لها الفهم حقّا ما دامت في القرب حالا ، وهي تحسّ الآن بما قد طال سعيها وراءه .
32 أين يقيم ذلك الذي أقام الحسن في قدره ، والحياة في قدرها ، والذي ولّد الذات ؟ هل ترى الحسن الذي يتناول هذه المثل كلّها على اختلافاتها ؟ أجل نعم البقاء هنالك ! لكنّك ما دمت في الحسن قائما ينبغي عليك أن تنظر في هذه الأمور أنّى جاءت ، وفي حسنها أنّى انبعثت . فإنّه يجب الّا يكون ذلك الأصل أحد هذه الأمور / وإلّا لكان أمرا من بينها وكان جزءا . ليس صورة معيّنة إذا ، كما أنّه ليس قوّة ما أو كلّ ما تولّد هنالك مهما كان قدره ، بل ينبغي أن يستوي فوق القوى والصّور كلّها . إنّما الأصل منزّه عن المثال لا بمعنى أنّه يحتاج إلى مثال ، بل بمعنى أنّه هو ما تنبعث منه كلّ صورة نورانيّة . أمّا الصائر / فما دام قد صار وجب فيه أن يصير شيئا وأن يكون له صورة ينفرد بها . وأمّا الذي لم يكن شيء ليحدثه ، فمن عساه أن يكون ذلك الذي شأنه أن يحدثه ؟ ليس هذا الأعلى حقيقة من الحقائق إذا ، وهو الحقائق كلّها ؛ ليس قطّ حقيقة لأنّ الحقائق كانت عنه ، متأخّرة ، وهو الحقائق كلّها لأنّها منه تنبعث . وما دام قادرا على إبداع
تاسوعات أفلوطين — صفحة 657
مساهمون: أفلوطين
ص٦٥٧