30 أمّا إن وجب في اللّذّة أن تكون مع الخير تمازجه ، ولم تكن الحياة كاملة في مشاهدة الأمور الإلهيّة ولا سيّما أصلها ، فهو سؤال تقتضي الحال أن ننظر فيه ونقبل عليه متمسّكين بالخير في حقيقته . إنّ من يتصوّر الخير شيئا ناتجا من الروح على أنّه محلّ ومن الانفعال الذي يقع في النّفس / على أثر التّفكّر ، لا يجعل المركّب من الطّرفين هو الغاية ، أو الخير بالذات .
بل يكون الروح هو الخير حينئذ ونمسي نحن مبتهجين بالخير حاصلا فينا . وليكن هذا القول رأيا في الخير أوّلا . ثمّ يقابله رأي آخر أيضا يقوم بمزج اللّذّة مع الروح على أن يخرج من الطّرفين / شيء واحد في ذاته يتصوّر بأنّه هو المحلّ . فنحصل على الخير بامتلاكنا أو بمشاهدتنا روحا هو على هذه الحال . فإنّه يستحيل في « القائم وحده على حياله » أن يكون أو يراد خيرا . وكيف يمتزج الروح باللّذّة ويسهمان كلاهما في تحقّق حقيقة واحدة ؟ إنّ الأمر الذي لا شكّ فيه هو أنّا لا نتصوّر اللّذّة الجسمانيّة / متّسعة لهذا المزيج . وهو قول يصدق أيضا على أفراح النّفس بقدر ما لا تفرح النّفس والعقل يغشاها . إلّا أنّه لا بدّ لكلّ تحقّق ولكلّ حال ووجه من وجوه الحياة من ذيول تلحق بها وكأنّها تصاحبها . ممّا يؤدّي إلى أن يعترض الحياة التي تجري جريا طبيعيّا عائق أو شيء ما يخالفها ، / فيمتزج بها ويحول بينها وبين أن تستوي على ما تكون عليه في ذاتها . على أن يؤدّي الأمر ذاته أيضا من ناحية أخرى إلى استرسال الفعل صافيا لا تشوبه شائبة ، وإلى الحياة قائمة في أحواله المشرقة . فيتصوّرون حالة الروح وهي كذلك على أنّها أجدر الحالات بأن تستحبّ وتختار ، ويصفونه بأنّه ممزوج باللّذّة حينئذ إذ تفوتهم العبارة الحقيقية . / وهذا ما يفعله الشّعراء في مجازاتهم ، فيصفون الأشياء التي نستحبّها بأسماء غير أسمائها ويذكرون : « نشوة الكوثر » ، « العيد والوليمة » و « أب الآلهة وقد ابتسم » ، إلى ألوف سواها من نوعها . ففي الملأ الأعلى على النّعيم حقّا وأشدّ ما يمكن أن يستحبّ وأن يرغب فيه ، وهو لا يصير / ولا يقوم في الحركة ، بل هي السّبب الذي يخلع على الأمور ألوانها ويجعلها تشرق وبالنور تسطع . ولذلك يضيف أفلاطون إلى المزيج الحقّ الصّراح ويجعل القياس الأصليّ سابقا عليه ، كما أنّه يقول في « التّناظر والحسن المشرفين على المزيج إنّهما من عالم الروح أقبلا على كلّ ما كان في الحسن قائما » . ولذلك كان لنا / بالحسن وفي الحسن من الخير نصيب . أمّا الذي ينبغي الشّوق إليه فهو بمعنى آخر . هو بأن يرتقي كلّ منّا بذاته إلى خير ما يكون عليه في ذاته . أعني المتناظر فينا والحسن والمثال المنسجم تركيبه والحياة المشرقة النورانيّة وهي نعم الحياة . /
31 لقد أطلّ ذلك الأمر الذي كان قبل الأشياء كلّها إذا ، فخلع الحسن عليها وأمدّها بالنور .
فحظي الروح بضياء التّحقّق النورانيّ ونشر النور على الطّبيعة . وحظت النّفس بالقوّة على أن يحيا بعد أن أقبل عليها مزيد من حياة . فارتفع الروح إلى عالم الأوّل واستقرّ مطمئنّا إلى الإقامة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 656
مساهمون: أفلوطين
ص٦٥٦