خيّر . ويجب في الخير أن نقول إنّه يميّز بأصل يفوق ما يلزم الذات ويعلوها قدرا ، ويكون الشّيء بالقياس إليه قائما بالقوّة . فما دام الشّيء بالقوّة هو ذلك الأصل الذي إليه يوجّه وجهه ، كان إليه محتاجا . ولمّا كان ذلك الذي يحتاج الشّيء إليه ، إنّما يحتاج إليه لأنّه أصل شريف ، فإنه باق هذا الأصل خيرا / لهذا الشّيء . أمّا الهيولى فإنّها أشدّ الأشياء حاجة ، ثمّ يأتي المثال الأدنى المقيم في جوارها والذي يليها في الاتّجاه صعدا نحو الملأ الأعلى . وإن كان الشّيء خيرا لذاته ، فناهيك بالأصل الذي هو كماله ومثاله وأشرف ما قام عليه في ذاته خيرا له ، على أنّ هذا الأصل هو بطبعه خير ، / وهو للشّيء خيره لأنّه يجعل الشّيء خيّرا . ولكن لما ذا كان للشّيء خيرا ؟ ألأنّه كان في الشّيء أخصّ خواصّه ؟ كلّا ! بل لأنّه كان من الخير المحض جزءا . ولذلك أصبح أشدّ النّاس انفرادا بذاتهم وأكثرهم صفاء وأوفرهم خيرا . فمن الغريب أن نبحث عمّا يكون خيرا . بما ذا يكون خيرا لذاته ، وكأنّه لا بدّ / من أن يخرج من ذاته متوجّها إلى ذاته ، وهو لا يكتفي بأنّه الخير على ما كان عليه في ذاته . على أنّه لا بدّ من النّظر في الأصل المطلقة بساطته ، حيث لا نجد قطّ مجالا للتّمييز بين الشّيء وغيره ، إن كان فيه الانفراد بالذات خيرا لذاته . الواقع ، إن كان قولنا هو القول الصّواب ، إنّا بارتقائنا ، إنّما ندرك الخير وهو قائم في حقيقته . / فليست الرّغبة هي التي تبدع الخير بل كانت الرّغبة لأنّ الخير كان فأصبح لمن أدركوه ، وبإدراكهم له ، شيئا لذيذا . أمّا السّؤال عن الخير ، هل يختار إن لم يكن لتتبعه لذّة ، فهو سؤال ينبغي أن يخصّ له بحث مستقلّ .
28 أمّا الآن فيجب إعادة النّظر في النّتائج التي انتهى بحثنا إليها . إن كان ما يقبل دائما على أنّه الخير هو مثال ، وكان الخير للهيولي هو المثال ، فهل تريد الهيولى ، إن صحّ لها أن تريد ، أن تصبح مثالا فقط ؟ ولكن إن أرادت ذلك أرادت بطلانها في حين أنّ كلّ شيء إنّما يطلب ما يكون له خيره . / إلّا أنّها ربّما لم ترد أن تكون هيولى ، بل أن تكون حقّا . أعني ، إذا توافر لها ذلك ، أنّها تريد أن تقلع عمّا كانت عليه من شرّ . ولكن أنّى للشّرّ أن يرغب في الخير ؟ ألا ، إنّا لم نعز إلى الهيولى رغبة ؛ إنّما كان من ذهننا افتراضا أخذ الهيولى على أنّها إحساس إن وسعنا بهذا التّصوّر ، أن نصون كونها هيولى . / فإذا أقبل المثال عليها وكأنّه بالخير حلم نائم ، طابت حينئذ مقاما . أمّا إن كانت الهيولى هي الشّرّ ، فلا مزيد على ما ذكرنا . أمّا إن أصبحت شيئا آخر ، الرّذيلة مثلا ، وحازت ، في ما تكون عليه حقّا ، بإحساس ، أنبقي على القول في اتّجاهها إلى الأشرف لازما لذاتها إنّه الخير لها ؟ على أنّ الرّذيلة لم تكن هي التي اختارت الأشرف ، بل الأمر الذي كانت قد أفسدته . / أمّا إن بات كونها حقّا وكونها الشّرّ كونا واحدا ، فأنّى لها ، وهي كذلك ، أن تميّز الخير وتختاره ؟ على أنّ أقلّ ما نقول في الشّرّ إن صحّ له الإحساس بذاته ، هل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 654
مساهمون: أفلوطين
ص٦٥٤