الروح الذي كان فوقه ما نسمّيه الحقيقة الأولى . هذا وإنّ كلّ أمر من هذه الأمور يخلق أثرا في ما يكون له خيرا : فأمر يخلق نظاما وأحكاما ، وثان حياة وثالث إدراكا وحسن حال . أمّا الروح فإنّما خيره هو الخير محضا ، ذلك الخير الذي قلنا فيه أيضا / إنّه يأتي إلى الروح لأنّ الروح تحقّق من الخير ينبعث ولأنّ الخير لا يزال حتّى الآن يمدّ الروح بما وصفناه بأنّه نور . أمّا البحث عن هذا النور ما عسى أن يكون في ما هو عليه في ذاته ، فهو بحث نرجئه إلى حينه .
26 إنّ ما فطر على الشّعور من تلقاء ذاته ، إذا انتهى إلى الخير عرف الخير وقال في الخير إنّه بين يديه . وما القول إن كان مخدوعا على أمره ؟ كان لا بدّ من شيء يحاكي الخير ونخدع به حينئذ . إن غدا الأمر على هذه الحال ، غدا الخير مع ذلك قائما في ذاته ، منه ينبعث ما به خدعنا ، فإذا أقبل الخير عدلنا عمّا به خدعنا . / ثمّ إنّ الرّغبة فيه والتّباريح التي تولّدها لدى كلّ شيء ، تدلّ على أنّ لكلّ شيء خيره . أمّا الأشياء التي لا نفس لها ، فإنّما يصلها عطاء الخير من غيرها . أمّا النّفوس فإنّ الرّغبة هي التي تحدث فيه الشّوق إلى خيره . كذلك يعتني الأحياء بالأموات وقد أصبحوا أجسادا هامدة ويكرّمونهم ، / أمّا اعتناء الأحياء بذاتهم فمن ذاتهم يكفل . والدّليل على إدراك الخير هو تحسّن يتمّ وتحسّن يزول ، والرّغد بالخير والبقاء معه والكفّ عن السّعي إلى شيء آخر . ولذلك لم تكن اللّذّة لتكتفي بذاتها . فإنّها لا تشبع من الشّيء إذا بقي على ذاته وإنّ الشّيء الذي تقع عليه لا يكون الشّيء ذاته ، إنّما تسعى دائما إلى غير ما كان في حوزتها . / يجب في الخير إذا الّا يكون الحال التي تطرأ على من أصاب من الخير حظّا . فلا غرو بقي خاليا من الخير من اعتقد في تلك الحال أنّها الخير بالذات ، وهو لا يملك من الأمر سوى الحال الواردة من الخير لدى من أصابه حقّا . لذلك لا يكتفي المرء بمجرّد الشّعور وهو خال ممّا يقع عليه شعوره ، كاللّذّة / بالولد وهو حاضر ، نشعر بها والولد غائب . كما إنّي لست أعتقد في الذين يجعلون الخير في إشباع أبدانهم أنّ أحدهم يجد لذّته في الأكل وهو لا يأكل ، أو في التّمتّع الشّهوانيّ وهو لا يساكن المرأة التي يريدها ، أو في عمل مهما يكن وهو لا يقوم بعمل .
27 ولكن ما عسى أن يكون ذلك الذي إذا تحقّق للفرد توافر ما يكفيه حاجته ؟ نقول في ذلك الأمر إنّه مثال ما : فهو للهيولي مثالها ، وهو للنّفس فضيلتها إذ الفضيلة مثال . ولكن هل يكون هذا المثال للفرد خيرا بكونه على الأقلّ لازما للفرد في ذاته ، وهل تحدّد الرّغبة بأنّها رغبة في ما يكون للذات لازما ؟ كلّا ! فإنّ المماثل من لوازم الذات أيضا ، وربّ أمر أراد / ما يماثله ثمّ ابتهج به ولمّا يكن على الخير حاصلا . بل إنّا لا نعني ما يلزم الذات عندما نقول في الشّيء إنّه
تاسوعات أفلوطين — صفحة 653
مساهمون: أفلوطين
ص٦٥٣