للانفصال / عن النّفس الكامنة فيه ، ينبغي أن نتصوّره على نحو ما نتصوّر تلك العناصر الثّلاثة التي أتينا على ذكرها . فضلا على أنّ الحيوان المؤلّف من هواء متماسك لا يحسّ هو أيضا إذا طرأ عليه حال . فمثلما يعبر الهواء بنور ثابت باق في مكانه ، ما دام باقيا ، كذلك يعبر الهواء بنفسه / في حركة دائريّة وهو فيها غير عابر . ونقول القول ذاته في العناصر الأخرى .
12 ولكن فلنعد إلى ما نحن فيه ولنعالجه بما يلي . لقد قلنا في هذا العالم الكلّيّ إنّه ، إن جاز لنا القول ، على قياس أصله الروحانيّ . فلا بدّ أوّلا من أن يكون الكلّ في الملأ الأعلى حيوانا ، بل الحيوانات كلّها إن غدا كونه حقّا كونا كاملا . فالسّماء هنالك حيوان ، وهي سماء غير محرومة ممّا نسمّيه النّجوم هنا إذ / إنّ السّماء بذلك تكون حقّا . ثمّ إنّ هنالك أرضا ليست بصحراء ، بل هي بأن تكون منعشة بالحياة أشد حريّة ، تشتمل على حيوانات كلّها بقدر ما نسمّيه الحيوانات الأرضيّة هنا ، وبله عن النّبات الراسخ في حياته . كما أنّ هنالك بحرا روحانيّا وماء كلّيّا يجري ويحيا بحياة / مستمرّة ، يشتمل على حيوانات الماء كلّها . والهواء في حقيقته أيضا إنّما هو جزء من الكلّ الروحانيّ فيه تحيا الحيوانات الهوائيّة على نحو ما يقتضيه الهواء في ذاته .
فكيف لا تكون حيّة ما دامت قائمة في حيّ ؟ فإنّها حيّة هي أيضا ! بل كيف لا تقتضي الضّرورة أن يكون هنالك كلّ حيّ ؟ وعلى ما تكون كلّ منطقة من المناطق العظمى يغدو طبع الحيوان الثابت فيها . / كيفما تكيّفت السّماء الروحانيّة ومهما كانت بكونها حقّا ، تكيّفت الحيوانات السّماوية وغدت بكونها حقّا هي أيضا . ومن المستحيل الّا تكون ، وإلّا لما كانت السّماء هي أيضا . ومن سأل عن الحيوانات أنّى مجيئها ، سأل عن السّماء أنّى مصدرها أيضا ، وهذا يعني السّؤال عن الحيوان من أين يأتي . / ثمّ يرد السّؤال عن مصدر الحياة ، أي الحياة الكلّيّة والنّفس الكلّيّة والروح الكلّيّ ، مع أنّه لا فقر ولا عجز هنالك ، بل أمور كلّها بالحياة طافحة وكأنّها بالحياة جيّاشة . فهي بمنزلة سيل يجري من منبع واحد ، لا بمعنى أنّه نفح واحد / أو حرارة واحدة ، بل بمعنى ما لو قلت في كيف واحد إنّه ينطوي في ذاته على الأكياف كلّها ويحفظها : فيه كيف الحلاوة والعطور ، وفيه طعم الخمر وسرّ السّوائل كلّها ، وفيه إدراك الألوان وكلّ ما يناله اللّمس بلمسه . وإن ننس لن ننسى كلّ ما يسمعه السّمع من إيقاع ونغم .
13 الواقع هو أنّ الروح ليس شيئا بسيطا ، مثل النّفس التي منه تخرج ، بل كلّ ذلك مختلف العناصر بقدر ما إنّه بسيط ، أعني بقدر ما إنّه ليس مركّبا وبقدر ما إنّه أصل وتحقّق . أمّا تحقّق الأمر الأخير فإنّه بسيط على أنّه به تنتهي التّحقّقات . أمّا الأوّل ففيه التّحقّقات كلّها . ثمّ إنّ الروح إذا تحرّك تحرّك متساوي الحال ، بمراحل تبقى / على ما هي عليه في ذاتها ، دائما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 641
مساهمون: أفلوطين
ص٦٤١