حركات ، وأنّ الإدراكات العرفانيّة العديدة يجب فيها الّا تكون على السّواء ، بل أن تكون الحياة والمعرفة على درجات مختلفة . وتختلف هذه الدّرجات بالبيان والإشراق ، كما أن القرب من الأوّليّات هو الذي يجعل الحياة والمعرفة في المقام الأوّل أو الثاني أو الثالث . ولذلك كان بين تحقيقات العرفان / منها الآلهة ، ومنها ما كان من جنس ثان يشتمل على ما نسمّيه الناطق هنا .
ويلي المقامين بعد ذلك ما نعرفه بالأصمّ . أمّا في الملأ الأعلى فكان ما لا عقل له عقلا وما لا روح له روحا ، إذ إنّ الذي يعرف الجواد هو روح ، كما أنّ العرفان بالجواد هو روح أيضا . حتّى ولو كان العرفان عرفانا فقط ، فليس من المستبعد بحال أن يكون العرفان في حدّ ذاته ، / على كونه عرفانا ، عرفانا بشيء لا روح له ؟ لكن إذا كان العرفان هو والمعروف شيئا واحدا ، فكيف يكون العرفان عرفانا ثمّ يمسي المعروف شيئا لا روح له ؟ فإنّ هذا يعني أنّ الروح يجعل ذاته شيئا لا روح له . بل الصّواب هو أنّ الروح لا يجعل ذاته أمرا غير ذي روح ، إنّما يصبح آنذاك روحا مكيّفا ، ذا حياة بكيف خاصّ . ومثلما لا تكفّ الحياة ، مهما تكن ، عن أن تكون حياة ، كذلك لا يكفّ الروح مكيّفا / عن أن يكون روحا . فضلا على أنّ الروح المكيّف بحياة ما ، مهما تكن ، لأبطل كونه روح الأشياء كلّها ، كالإنسان مثلا ، ما دام كلّ جزء من أجزائه ، أيّا أخذنا ، هو الأشياء جميعا ، وإن جاز فيه أن يكون بمعنى آخر . فإنّه مكيّفا ، قد تحقّق فعلا ؛ ولكنّه بالقوّة ، مشتمل على الأشياء كلّها . أمّا نحن ، فإنّا ندرك في كلّ شيء ما تحقّق منه فعلا ، / على أن يقع هذا التّأخّر في آخر المطاف . وعليه كان الجواد في آخر مطاف الروح وهو على الكيف الذي به نعنى ، وكان الجواد بكفّ الروح ، عند هذا الحدّ ، عن سيره المستمر نحو حياة قلّ شأنها . على أن يمسي الروح بكيف آخر إذا كفّ عن سيره عند حدّ تكون فيه الحياة أقلّ شأنا أيضا . فإنّ القوى إذا انتشرت دأبت في إهمالها للملأ الأعلى . تسير ، ثمّ لا تزال من شيء ما في خسر ، وهي في خسرها للشّيء يسبّب النّقص في الحيوان / الذي ظهر من وراء ما تخلّف عنها ، لا تزال تكتشف شيئا آخر تزيده . فإذا فات الحيوان مثلا ما يكفي به حياته ، ظهرت الأظفار والمخالب والأنياب والقرون . فحيثما ينحدر الروح ، يعد لينتصب معوّلا على ما لديه من الاكتفاء بما كان عليه في ذاته ، فيكتشف كامنا في ذاته ما يتدارك / به الأمر الذي قد فاته .
10 ولكن بأيّ معنى يقال في الشّيء الروحانيّ إنّه قاصر ؟ فما عسى أن تكفل القرون من دفاع ؟ ألا إنّها تكفل للحيوان من حيث كونه حيوانا أن يكون مكتفيا بذاته وأن يكون كاملا . كان ينبغي له ، حيوانا وروحا وحياة ، أن يقوم كاملا . فإن فاته شيء حاز بآخر . وإنّما الفرق فيه بكونه شيئا حلّ محلّ آخر ، حتّى إذا تألّف من الأشياء كلّها ، / أصبح الحيوان الأكمل والروح الأكمل والحياة في حالها الأكمل ، على أن يبقى كلّ شيء في حدّ ذاته شيئا كاملا . وبعد ، فإن كان مؤلّفا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 638
مساهمون: أفلوطين
ص٦٣٨