بالحياة كلّها متناولا دائما أمرا بعد آخر . ولأنّ شأنه أن يكون هو ذاته في ما كان عليه في ذاته وأمرا آخر في آن واحد ، فإنّ من يجزّئه يرى دائما هذا الآخر بارزا . أمّا طريقه ، فإنّها كلّها عبور للحياة وللحيوان ، مثلما أنّ الضارب في الأرض التي يجتازها يرى كلّ شيء / أرضا ولو كان بين الأرض والأرض اختلاف . والحياة التي يجتازها الروح في الملأ الأعلى إنّما هي الحياة دائما ، لكنّها دائما بين حال وحال فلا تكون حياة واحدة بالذات . أمّا الروح فإنّه يجتاز هذه الوجوه المختلفة في الحياة باجتياز يبقى على حاله ، لأنّه هو لا يتغيّر بل يتخلّل الأشياء الأخرى متساوي الأحوال بمراحل تبقى على ما كانت عليه في ذاتها . فلو لم يكن مع الأشياء الأخرى متساوي الحال باقية مراحله على ما هي عليه في ذاتها ، لأصبح في مطلق التّعطيل / عن العمل فلا يتحقّق قطّ ولا يحقّق . بيد أنّ هذه الأشياء الأخرى إنّما هي الروح في ما كان عليه في ذاته ، فلا غرو إن كان الروح شاملا كلّيّا . فإنّه إن كان في ما هو عليه في ذاته كان كلّيّا شاملا وإلّا لما كان في ما هو عليه في ذاته . وإن كان كلّا في ما هو عليه في ذاته ، غدا كلّيّا شاملا لأنّه كان هو الأشياء جميعا .
ثمّ إن لم يكن شيء إلّا وله في أشياء كلّها إسهام ، فإنّ أمرا لن يكون من أمره إلّا وهو أمرا آخر ، / حتّى يمسي لكونه أمرا آخر ، مسهما أيضا في ذلك كلّه . ذلك بأنّه لو لم يكن أمرا آخر بل كان هو على ما هو عليه في ذاته ، غدا شأنه أن ينقص الروح في ذاته التي ينفرد بها ، ما دام لا يسهم في ما كان عليه الروح طبعا .
14 هذا ويسعنا أن نعمد إلى ظواهر الروح النورانيّة لنعرف الروح على ما ذا يكون ، وعلى أنّه يتنافى مع كونه بمنزلة أمر قائم بوحدة تحول بينه وبين أن يكون أمرا آخر . فما عسى أن تريده قياسا يؤخذ من المعنى البذريّ : أمعنى النّبات أم معنى الحيوان ؟ فإن كان هذا المعنى شيئا واحدا في ذاته ، ولم يكن واحدا منطويا على اختلاف في العناصر ، لم يغد معنى بذريّا ، وأمسى الشّيء الذي حدث مجرّد هيولى . / ذلك بأنّ المعنى البذريّ لم يتحوّل إلى العناصر كلّها واقعا على الهيولى في كلّ نواحيها بحيث لا يدع شيئا باقيا على ما كان عليه في ذاته . فالوجه مثلا ليس حجما ذا نسق واحد بل في أنف وعين ، والأنف فيه ليس شيئا ذا نسق واحد بل هو شيء مغاير أيضا ، وهو إذ يكون شيئا مغايرا يختلف عن الأنف وما دام شأنه أن يصبح أنفا . فلو كان شيئا ذا / نسق واحد بوجه الإطلاق لغدا حجما فقط . كذلك يكون في الروح ما ليس له نهاية لأنّه الروح في ذاته واحد ذو كثرة ، لا مثلما يكون الحجم واحدا ، بل مثلما يكون المعنى البذريّ المنطوي على كثرة في ذاته . ففي بنية الروح الواحدة التي تبدو وكأنّها حظيرة إنّما نجد حظائر باطنة وبنى أخرى باطنة أيضا ، وقوى وعرفانات وتقسيما لا يضبط باتّجاه واحد بل يتطوّر نحو الباطن دائما . / فكأنّه تقسيم الحيوان الكلّيّ إلى طبائع الحيوانات المشتمل عليها : يعود فيتناول
تاسوعات أفلوطين — صفحة 643
مساهمون: أفلوطين
ص٦٤٣