الأرض حادثة مجبولة فيها ، لاكتشفنا ، هنا أيضا ، في الأرض طبيعتها . نموّ الحجارة وجبلها ، وتشكّل الجبال ينبعث صعدا من بواطنها ؛ إنّما ينبغي لكلّ ذلك مطلقا أن نتصوّره ، من وجه ما ، إحداث معنى ما منفوس / يهب الصّور ويصنع صنعا يخرج من الباطن . هذا هو الذي يكون للأرض مثالها الصانع ، مثلما يكمن في الشّجر ما تسمّيه طبيعته على أن يغدو ما نسمّيه أرضا بمنزلة الخشب في الشّجر . فإذا ما شققنا الحجر أصبح على ما يكون عليه غصن قطع من شجره : / وإن لم يقع في هذه الحال بل بقي على اتّصاله ، كان على حال ما لم يقع من النّبات الحيّ . الآن وقد اكتشفنا للأرض طبعا يصنع كامنا فيها وهو حياة قائمة في بنية معنويّة ، سهل علينا ، منطلقين من هذه النّتيجة ، إثبات الأرض الروحانيّة . فإنّها عظمت إلى الحياة سبقا ، وإنّها ، بنية معنويّة ، حياة الأرض ، وهي الأرض في ذاتها والأرض أصلا ، / منها اشتقّت الأرض في عالمنا . ثمّ إن كانت النار بنية معنويّة ما في هيولى ، وإن كان القول ذاته يقال في ما سواها وكان من قبيلها ، ولم تكن النار لتنشأ من تلقاء ذاتها - ( ولعمري ، أنّى يكون لها ذلك ؟ فإنّها لا تنشأ من الاحتكاك مثلما قد يظنّ فيها ، إذ يقع الاحتكاك في العالم الكلّيّ بعد حضور النار وحصولها في الأجسام التي يحتكّ بعضها ببعض . كما أنّها ليست الهيولى / من القوّة بحيث تحدث النار من تلقاء ذاتها ) - إن كان ينبغي للصانع أن يتكيّف ببنيّة معنويّة إذ يعمّر بالصورة ، فما عساه أن يكون ؟ ألا ، إنه نفس قادرة على أن تصنع النار ، أعني أنه حياة وبنية معنوية ، وكلاهما بالذات واحد . ولذلك يقول أفلاطون إنّ في كلّ هذه الأمور نفسا ، وهو لا يعني بذلك سوى نفس تصنع هذه النار أي النار الحسّيّة : / فصانع النار ، حتّى في العالم المحسوس ، إنّما تكون قائمة حقّا ، صارت بأن تكون نارا قائمة في حياتها أجدر . وبالتالي إنّ للنار في حدّ ذاتها حياتها أيضا . ويصحّ القول ذاته في الأمور الأخرى ، في الماء والهواء .
ولكن لما ذا لا تكون مثل الأرض منفوسة ؟ لأنّها في / الحيوان الكلّيّ ، وهذا أمر لا يشكّ فيه قطّ ، وإنّها أيضا في هذا الحيوان أجزاء ، فلا تظهر الحياة فيها ، مثلما أنّها لا تظهر في الأرض أيضا . بل كان الوجه ، هنا أيضا ، في الاستدلال على الحياة ممّا ينشأ في الأرض . لكنّ حيوانا ينشأ في النار ، وهو في الماء أظهر ، كما أنّا نجد لحيوانات هوائيّة قياما في الذات . وإلّا إنّ كلّ نار لا تلبث أن تنشأ / حتّى تنطفئ فتفلت من النّفس الكامنة في النار الكلّيّة ما دامت نارا لا تبقى متجمّعة في حجم ما حتّى تظهر النّفس الثابتة فيها . وكذلك القول في الماء والهواء . فلو كانت متجمّدة طبعا لأظهرت النّفس التي فيها ، لكنّها لا تظهر هذه النّفس لأنّها بنوعها في تميّع مستمرّ .
والمرجّح هو أنّ أمرها مثل / أمر ما في أبداننا من سوائل ، كالدّم مثلا . فالظاهر أنّ للّحم نفسا ، وكلّ ما يتحوّل إلى لحم إنّما من الدّم يأتي . بيد أنّا لا نتبيّن للدّم نفسا إذ إنّا لا يبلغنا من إحساس ( على أنّه لا بدّ من أن يكون الدّم منفوسا ) ، إذ إنّ ضغطا عليه لا يجري . فما دام مستعدّا دائما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 640
مساهمون: أفلوطين
ص٦٤٠