على البقاء في ذاتها وعلى الانطلاق من ذاتها ؟ ولكن لما ذا تكون تلك الحيوانات في الملأ الأعلى ؟ وما عسى أن يعني قيامها في اللّه ؟ / أمّا الناطقة منها فأمرها معقول ؛ لكنّ هذه الكثرة الوافرة من البهائم ، فما هي حرمتها ؟ بل ما أحطّ خسّتها ؟ فالأمر الذي نحن في صدده ، إنّما ينبغي له لا محالة أن يكون ذا كثرة ما دام واقعا بعد الذي كان واحدا بوجه الإطلاق . وإلّا لما غدا أمرنا بعد الواحد المطلق ، بل كان كلاهما أمرا واحدا . / وما دام بعد الواحد المطلق لم يكن ليفوته توحّدا ، بل يقع دونه . ثمّ ما دام الأشرف قائما في الوحدة وجب فيه أن يقوم هو في الكثرة ، إذ إنّ التّخلّف يقتضي فيه كثرة . فما عسى أن يمنع أمرنا من أن يقوم في الاثنينيّة ؟ هو أنّ كلّا من طرفي الاثنينيّة لا يصحّ فيه أن يكون واحدا بوجه الإطلاق ، بل يمسي شأن كلّ طرف أن يكون بحدّين على الأقلّ ، وكذلك القول في هذين الحدّين بدورهما . ثمّ إنّه كانت الاثنينيّة الأولى مشتملة على الحركة والسّكون ، / وكان هو منطويا على الروح وعلى الحياة ، أعني الروح الكامل والحياة الكاملة . وهكذا لم يكن ، أمرا واحدا في ذاته لكونه روحا ، بل كان كلّا يحمل في جوانبه الأرواح الفرديّة جميعا ، يساويها بل يزيدها قدرا . ثمّ إنّه كان حيّا لا يحيا بحياة نفس واحدة ، بل بحياة النّفوس كلّها وأعظم ، ما دام قادرا على صنع النّفوس نفسا نفسا . / وكان الحيوان الكامل أيضا ، لا يشتمل في ذاته على الإنسان فقط ، وإلّا لغدا الإنسان وحيدا في هذه الدّنيا .
9 قد يقول قائل : سلّمنا بأمر الحيوانات الشّريفة . ولكن ما عسى أن يكون للخسيسة منها وللبهيميّة من معنى ؟ لا شكّ في أنّ الخسّة بالحرمان من العقل ما دام شرف الحيوان بكونه عاقلا . كما أنّه إن كانت الكرامة بالنورانيّة فالحرمان منها هو الخسّة . فكيف نتصوّر بعد ذلك حرمانا من الروح أو من العقل ، ثمّ نسلّم بقيام ذلك الأمر الذي فيه يكمن ومنه يخرج كلّ شيء من الأشياء ؟ / ينبغي ، قبل القول في هذه الأمور أو الجواب على مسائلها ، أن نعرف أن الإنسان هنا ليس على نحو ما يكون عليه الإنسان هناك ، فتصبح الحيوانات في دنيانا على غير ما تكون عليه في الملأ الأعلى . بل الصّواب في معرفتها علويّة هو أن تكون معرفة من الطّراز الأعظم .
ثمّ إنّ الناطق لا يكون في الملأ الأعلى ؛ فقد يكون ناطقا في عالمنا ؛ أمّا في عالم الروح ، فالمقام مقام ما يقع قبل النّطق والتّفكير . ولما ذا / كان الإنسان هنا هو المفكّر دون ما سواه من الحيوان ؟
ذلك بأنّ العرفان هناك في الإنسان يختلف عنه في الحيوانات الأخرى ، وهنا يكون الاختلاف في التّفكير . فإنّا نتبيّن ، من وجه ما ، حتّى لدى الحيوانات الأخرى ، أعمالا كثيرة قائمة على التّروّي . فلما ذا لا تكون هي أعمال الإنسان أعمال ناطق على السّواء ؟ بل لما ذا لا يتساوى العقل الناطق بين إنسان وإنسان ؟ ينبغي أن / نذكر أنّ الحياة في وجوهها المختلفة التي هي بمنزلة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 637
مساهمون: أفلوطين
ص٦٣٧