تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
بالممكن : فأقلّ ما يقال فيها إنّ الصّنع وظيفتها . كذلك يفعل الصانع الذي يعرف أن يخرج بصنعه أشكالا كثيرة : فإمّا أن يصنع ما كان به مكلّفا ، وإمّا أن يخرج ما أرادت المادّة أن تطاوعه عليه . وما عسى أن يمنع قوّة النّفس القائمة على الكلّ ، ما دامت هي معنى ينطوي على الأشياء كلّها ، من أن تضع ، / قبل أن تنبعث منها القوى النّفسيّة ، تصميما يكون بمنزلة معالم تشرق في الهيولى . فإذا تتبّعت النّفس الصانعة هذه الآثار ووصلتها جزءا بجزء صنعت ، وصارت ، هي النّفس الجزئيّة ، متشكّلة بالأمر الذي عليه أقبلت . أوليس هذا حال / من كان في حلبة رقص ليأخذ نفسه بالعمل المسرحيّ الذي به كلّف ؟ ولكنّ هذا أمر إنّما انتهينا إليه باسترسالنا مع التّسلسل في النّتائج . أمّا موضوعنا فكان في الإنسان كيف يتوافر له الإحساس ، وفي الأمور الروحانيّة كيف لا يقع نظرها على عالم الصّيرورة حينئذ . ولقد تبيّن لنا أنّ الأمور الروحانيّة كما دلّ البرهان عليه لا يقع نظرها على الحسّيّات هنا ، / بل ترتبط الحسّيّات بالروحانيّات وتحاكيها . كما أنّ الإنسان الحسّيّ إنّما يستمدّ من الروحانيّ القوى التي يتوجّه بها وجهه إلى عالم الروح ، فتكون الحسّيّات هنا مقترنة بالإنسان الحسّيّ ويكون ما يحسّ به هناك مقترنا بالإنسان الروحانيّ . فإنّ ما سميناه حسّيّات هنالك لأنّها منزّهة عن الجسمانيّة على كونها مدركة بإدراك آخر ، / وإنّ ما سمّيناه الإحساس هنالك بكونه إدراكا أضعف من الإدراك الروحانيّ المحض ، لأنّه كان إدراك أجسام ، إنّما كان ذلك كلّه ، محسوسا وإحساسا ، أشدّ بيانا وإشراقا . ولذلك كان المحسّ هنا ، لأنّه في المقام الأسفل ، مدركا للسّفليّات وهي للعلويّات صور . ممّا يؤدّي بالإحساس هنا إلى أن يمسي عرفانا مغشيّ الجوانب ، / وبالعرفان هناك إلى أن يكون إحساسا ساطعا بإشراقه . 8 هذا ما نقوله في قوّة الإحساس . لكن يقابلنا الآن السّؤال في الجواد الكلّيّ وفي كلّ من حيوانات الملأ الأعلى ، لما ذا لا يريد أن يحوّل نظره إلى الحيوانات الحسّيّة ؟ وإن اكتشف صورة الجواد العرفانيّة ، فهل فعل حتّى ينشأ هنا جواد أو حيوان آخر ؟ ولكن كيف استطاع أن يتصوّر الجواد وقد كان مريدا صنع الجواد ؟ فالأمر الذي لا شكّ فيه / هو أنّ صورة الجواد بطريق العرفان كانت حاضرة ، إن كان مريدا صنع الجواد ، فلم يكن للصّنع تصوّر حتّى يقع ، بل كان الجواد المنزّه عن الصّيرورة أوّلا قبل الذي أصبح من شأنه أن يحدث بعد ذلك . وإن كان قبل كونه في الصّيرورة ولم يتصوّر عرفانيّا حتّى يصبح حادثا ، غدا المشتمل على الجواد الروحاني / مشتملا عليه من تلقاء ذاته غير ناظر إلى الأشياء الدّنيويّة . كما أنّه لم يكن مشتملا عليه وعلى غيره ليصنع شيئا دنيويّا ، بل كانت الروحانيّات ثمّ غدت الحسّيّات تابعة لها بحكم الضّرورة إذ إنّه لم يكن من تجاوز ما قام هنالك بدّ . ومن يسعه أن يمسك قوّة قادرة