تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 635

مساهمون:

ص٦٣٥
قد يكون حسّيّا في الملأ الأعلى بنحو ما تكون عليه الحسّيّات هنالك . على هذا النّحو الروحانيّ يحسّ الإنسان الأفضل بالنّغم الحسّيّ : فإنّ الإنسان صاحب القوّة الحسّيّة يتلقّى النّغم بحواسّه فيؤلّف بينه وبين آخر ما ينتهي إلينا من النّغم الروحانيّ . / كما أنّه يؤلّف بين النار هنا والنار هنالك ، وهي النار التي تدركها تلك النّفس الشّريفة بإحساس يلائم طبيعة النار الروحانيّة . ولو غدت هذه الأمور جسمانيّة في الملأ الأعلى ، لكان لتلك النّفس إحساس بها وإدراك . فالإنسان الروحانيّ ، أعني تلك النّفس على ما وصفناها ، إنّما يدرك هذه الأمور . / ممّا يؤدّي بالإنسان متأخّرا ، وهو للأوّل أثره ، أن ينطوي محاكاة على معانيها . فيكون الآدميّ القائم في الروح منطويا على الآدميّ المتقدّم على الآدميين كلّهم . ثمّ إن الإنسان الأوّل يشعّ بنوره على الثاني ، وهذا على الثالث الذي يشتمل ، بوجه ما ، عليهما كليهما ، لا بمعنى أنّه قد تحوّل إليهما ، بل بمعنى أنّه أصبح في جوارهما . فيفعل الإنسان في كلّ منّا أفعاله على نهج الإنسان / الأخير . ولكن قد يأتيه فعله بشيء من الإنسان المتقدّم عليه ، وقد يأتيه بشيء من الإنسان الأوّل أيضا . فيقدّر كلّ بما فعل وهو ، مع ذلك ، مشتمل على المقامات الثّلاثة كلّها وغير مشتمل عليها أيضا . أمّا الحياة العليا ، فإنّها عن الجسم منفصلة ، والإنسان الأعلى أيضا . وإذا التحقت الحياة الثانية بالجسد ، والتحقت به غير منفصلة عن الملأ الأعلى قيل فيها إنّها ثابتة حيث تكون الأولى ثابتة . / أمّا إذا أخذت النّفس جسما بهيميّا فقد يدركنا العجب من مذهبها هذا وهي إنسان في معناها . لكنّها كانت الأشياء كلّها فتتشكّل تارة بشيء وطورا بآخر . فإنّها ما دامت على طهارتها ولم يدركها شرّ ، تريد الإنسان وهي إنسان : فإنّ هذا خير ما يرام وهي تصنع خير ما يرام . / لكنّها قبل ذلك تصنع الجانّ أيضا ، وهم يجانسون بالمثال النّفس التي تصنع الإنسان ، على أن يكون الذي قبلها جنّا أعظم ، أو يكون بالأحرى ربّا . فإنّ الجنّ يشبه الرّبّ وهو مرتبط به ارتباط الإنسان بالإنسان الروحانيّ ، لأنّ ما يرتبط الإنسان به لا يقال فيه إنّه ربّ . فإنّ الإنسان يختلف عن الإله اختلاف / بعض النّفوس عن بعضها ولو كانت كلّها من أصل واحد . على أنّه ينبغي لنا أن نعني بالجانّ نوع الجانّ الخاصّ الذي يقصده أفلاطون . وإذا جاءت النّفس المرتبطة بالتي كانت يوما ما إنسانا وأقبلت ، بعد اختيارها الطّبيعة البهيميّة ، أعطت لذلك الحيوان معناه وهو ثابت فيها . فإنّها مشتملة عليه ، ولكن تحقّقها بالذات / إنّما يكون حينئذ تحقّقا خسيسا . 7 ولكن إن أدركها الشّرّ وانحطّت مقاما فجبلت الطّبيعة البهيميّة ، لم تكن في بداية أمرها لأن تصنع ثورا أو جوادا ، فلم تصبح بنية الجواد المعنويّة ولم يمسّ الجواد ذاته شيئا منافيا للطّبيعة . كلّا ! تصبح أقلّ شأنا لكنّها لا تتنافى في الطّبيعة في وضعها ، إذ إنّ شأنها بوجه ما ومنذ بدايتها أن تمسي جوادا أو كلبا . إذا استطاعت صنعت خير ما يرام ، وإن لم تستطع أتت /