مطلقا ، بل يقال التّفكير للدّلالة على أنّ الأشياء كلّها تجري كأنّ حكيما يديرها منطلقا من التّبصّر في العواقب . / ويقال التّبصّر لأنّ الحال تستوي وكأنّ حكيما تبصّر في العواقب . فإنّ الفكر نافع في الأمور التي تقع بعد التّفكير بسبب غياب القوّة السابقة للتفكير . والتّبصّر نافع لأنّ المتبصّر تفوته القوّة التي لا يعود معها محتاجا إلى التّبصّر . فالغاية من التّبصّر دفع أمر وطلب آخر ، وكأنّ المتبصّر يخشى على الأمر أن يكون على خلاف ما يتصوّره . / أمّا حيث لا يقع إلّا أمر واحد ، فليس من تبصّر . ثمّ إنّ الفكر يميّز بين شيء وما يخالفه ، فحيث يكون أحد الشّيئين فقط ، ما عسى أن تكون الحاجة إلى التّفكير ؟ كيف ينطوي ما كان وحده ، مفردا ، وفي حال البساطة ، على التّخصيص : « هذا الأمر ، حتّى لا يقع ذاك » ؟ ذلك بأنّه كان من شأن / « هذا الأمر » أن يقع ، إن لم يكن « ذاك » ممّا يقع ، فيبدو الأوّل نافعا ومنجّيا إذا ما وقع . كان في الأمر سابق علم وتفكير إذا . ولقد ذكرنا في مستهلّ حديثنا أنّ هذا هو الذي دفع الإله إلى أن يعطي الحواسّ والقوى ولو كان هذا الإعطاء وكيفه في منتهى الإشكال . فإن وجب / في كلّ فعل من أفعال الإله أن يكون كاملا ، أصبح من المنكر ، في كلّ شيء يصدر منه ، مهما يكن ، الّا نتصوّره كاملا كلّه . ينبغي لكلّ فعل من أفعاله ، مهما يكن ، أن ينطوي على الأشياء كلّها . ينبغي لهذه الأشياء أن تلازم كونه حقّا على الدّوام ، بل تلازم كونه حقّا في المستقبل على معنى كونه حقّا إنّما يقع في حاضر مستمرّ . / والحقّ أنّه لا يقع في ذلك الأمر شيء متأخّرا ، بل ما كان فيه هناك حاضرا إنّما يحدث بعد ذلك في غيره . فإذا كان المستقبل حاضرا ، وجب في حضوره أن يمسي بحيث يكون هو معنى سابقا لما سيقع بعد ذلك . وهذا يعني أنّه لا يحتاج إلى شيء ، أي أنّه لا ينقصه شيء قطّ . كان كلّ شيء قائما إذا ، وكان قائما أزلا بمعنى أنّه كان يجوز فيه أن يقال بعد ذلك إنّ « هذا » بعد « ذاك » . فإذا تمدّد وانبسط ، / إن جاز لنا القول ، استطاع أن يبيّن « هذا » بعد « ذاك » ، على أن يكون كلّه « هذا » ما دام بعضه مع بعض ، أي أن ينطوي على العلّة في ما كان هو عليه في ذاته .
2 لذلك كان بوسعنا أيضا ، منطلقين من هذه الأقوال ، أن نعرف حقيقة الروح معرفة لا يستهان بها ، وهو حقيقة نشاهد منها بأوفر ممّا نشاهد من غيرها ، إلّا أنّا لا نشاهد كنه الروح ما هو قدره . إنّما نسلّم « بكونه » قائما بدون أن نعرف « لم » ، أو إن سلّمنا بذلك ، سلّمنا به شيئا ثابتا على حياله . فإنّا نرى إنسانا أو عينا ، إن صادف الحال ، على أنّه تمثال أو أنّها عين في تمثال . /
وهذا يعني أنّ « الإنسان » في الملأ الأعلى إنّما يكون « لم هو » الإنسان أيضا إن وجب في « الإنسان » ذاته أن يكون هناك أمرا نورانيّا . وكذلك القول في العين و « لم هي » ، وإلّا لما قامت مطلقا لو لم تكن « لم هي » أيضا . أمّا في عالمنا ، فإنّ كلّ جزء من الأجزاء يكون على حياله ، فيكون « لما هو » الشّيء على هذا الوجه أيضا . ففي الملأ الأعلى إنّما تكون الأشياء كلّها
تاسوعات أفلوطين — صفحة 630
مساهمون: أفلوطين
ص٦٣٠