الأخرى ، على نحو ما قيل في الدّنيويّات . أفتكون الأشكال في الحيوان إذا بقدر ما يكون هو حيوانا ؟ كلّا ! بل تكون في الروح قبل ذلك . أجل إنّها في الحيوان . ولو / قام الحيوان مشتملا على الروح ، لكانت الأشكال في الحيوان أوّلا . أمّا إن كان الروح قبل الحيوان رتبة أصبحت الأشكال في الروح أوّلا . ولكن ما دامت النّفوس قائمة في الحيوان الكامل ، كان للروح التّقدّم . بيد أنّ أفلاطون يقول في الروح إنّه « يشاهد ذلك القدر كلّه في الحيوان الكامل » .
وإن كان يشاهد أصبح متأخّرا . إلّا أنّه يعني بقوله / « يشاهد » أنّ الحيوان يقدّم في ذاته بتلك المشاهدة . فإنّ المشاهد لا يختلف عن المشاهد ، بل الكلّ واحد في عالم الروح : فالعرفان يشتمل على الكرة منزّهة ، أمّا الحيوان فيشتمل عليها كرة حيوان .
18 مهما يكون الأمر ، فإنّ للعدد في الملأ الأعلى حدّا . إنّما نحن الذين نتصوّر المزيد على ما كان منه مفترضا ، فيكون ما ليس له نهاية نتيجة إحصائنا بهذا المعنى . أمّا في عالم الروح فيستحيل على التّصوّر أن يتجاوز ما تصوّرناه . فقد كان المزيد حاضرا ولم يفتنا ، بل لم يكن شأنه أن يفوته قطّ عدد مهما يكن ، حتّى يضاف إليه عدد مهما يكن . لكنّ شأن العدد هنالك الّا يكون / متناهيا لأنّه ليس قياس به يقاس . ولعمري ، بما ذا يقاس ؟ فإنّ العدد القائم هو العدد كلّه ، واحدا حقّا ، حاضرا بعضه مع بعض ، كاملا لا يحيط به حدّ مهما يكن ، بل هو بذاته حقّا ما كان عليه في ذاته . فإنّ حقيقة من الحقائق لا تحدّ بحدّ مطلقا ، بل المحدود والمقيس هو ما يحلّ بينه وبين أن يجري إلى ما ليس له نهاية ، / فيحتاج إلى قياس . أمّا الروحانيّات فهي أقيسة كلّها ، وهي بذلك حسنة كلّها . فإنّ الملأ الأعلى من حيث كونه حيوانا هو الحسن ، ذو الحياة الفضلى ، لا تنقصه قطّ حياة ، كما أنّ الموت لا يشوب حياته . لا موت ولا قبول للموت ! كما أنّ حياة الحيوان القائم في ذاته ليست حياة خاوية ، بل هي الحياة الأولى / الأشدّ إشراقا والأكثر بصفو الحياة حظّا والّتي شأنها شأن النور . من تلك الحياة الروحانيّة تستمدّ النّفوس حياتهنّ هنّ أيضا ، ويصطحبن بها إذ يأتين إلى هذا العالم . فإنّ ذلك الحيوان يعرف لما ذا يحيا وإلى ما ذا تتوجّه حياته وممّا ذا تنطلق : فحياته خارجة ممّا تتوجّه إليه . تحفّ به حكمة الأمور كلّها والروح الكلّيّ أيضا متّحدين به قائمين معه ، / يضفيان عليه ألوان الخير أشدّه وينفحانه بالحكمة فيجعلان حسنه جلالا فوق جلال . فإنّ الحياة الفاضلة لهي الكرامة وهي الحسن حقّا حتّى في هذه الدّنيا ولو كانت تشاهد متعكّرة ؛ إنما تشاهد هنالك في صفائها . فإنها تمدّ البصر بالإبصار وبالقوة ، / فيزداد حياة ويصبح ما يبصر بعد أن تكون حياته قد اشتدّت . ذلك بأنّ نظرنا هنا إنّما يقع غالب الأحيان على ما لا نفس له ، وإذا وقع على الأحياء بادر إليه منها ما كان عديم الحياة ، فضلا على أنّ الحياة الباطنة حياة مشوبة هي ذاتها . أمّا في عالم الروح فإنّ كلّ شيء
تاسوعات أفلوطين — صفحة 627
مساهمون: أفلوطين
ص٦٢٧