الفصل السابع ( 38 ) في كيف نشأت كثرة المثل وفي الخير المحض
1 إنّ الإله أو أحد الآلهة إذا أرسل النّفوس إلى عالم الصّيرورة جعل في الوجه عينين منيرتين وجهّز كلّ حسّ من الحواسّ بالأعضاء الأخرى . لقد علم بسابق علمه أنّ نجاة النّفس على هذا الوجه تتمّ ، فإذا ابتدرت ببصرها أو بسمعها أو بلمسها تجنّبت وطلبت آخر . فأنّى كان له سابق العلم بذلك كلّه ؟ / لا يصحّ القول بأنّ أحياء أخرى نشأت أوّلا ثمّ فسدت وزالت لحرمانها من الحواسّ ، فأمدّ الإله بعد ذلك بما إذا حصل عليه الإنسان وغيره من الحيوان غدا شأنه أن يأمن شرّ الانفعال . هذا وربّ قائل يقول : كان الإله عالما بأنّ شأن الحيّ أن يتقلّب بين حارّ وبارد إلى ما سواهما من تأثيرات الأجسام . فلما كان بذلك عالما / أمدّ بالإحساس وبالأعضاء التي بوساطتها تفعل الحواسّ أفعالها ، للحيلولة دون تطرّق الفساد إلى أجسام الحيوانات . إلّا أنّه إمّا أن يقال في هذه القوى إنّها كانت في النّفوس أوّلا ثمّ أمدّ اللّه بالأعضاء ، وإمّا أن يكون الإله قد أمدّ بالطّرفين جميعا . فإن كان قد أمدّ النّفوس بالحواسّ أيضا ، باتت غير محسّة قبل ذلك على كونها نفوسا ؛ أمّا إذا توافرت لها تلك القوى / لدى كونها نفوسا ، ثمّ نشأت حتّى تصير إلى عالم الصّيرورة ، غدت مفطورة على أن تسير إلى الصّيرورة .
فإنّها تنفر طبعا إذا من أن تكون بعيدة عن عالم الصّيرورة وفي عالم الروح . وتكون قد صنعت حتّى تحلّ في غيرها وفي ما ساء موضعا . ثمّ يصبح شأن العناية أن تحفظ النّفوس في هذا الموضع : كذلك يكون الإله قد فكّر ودبّر ، بل كذلك يكون الفكر إطلاقا . / ولكن ما عسى أن يكون لهذا الفكر من أصول ؟ إنّ الفكر ينبغي له ، وإن صدر عن فكر آخر ، أن يرتدّ دائما إلى شيء أو على الأقلّ إلى أشياء من قبله . فأيّا تكون هذه الأصول ؟ ألا إنّه الحسّ أو الروح . ولكن يرد الفكر ولمّا يظهر الإحساس . فأصل الفكر هو الروح إذا . إلّا أنه إن كان الروح هو المقدّمات غدت النّتيجة علما ، فلا يقع الروح على الإحساس بحال . / فإنّ ما ينبعث من الروحانيّ وينتهي إلى الروحانيّ ، كيف تؤدّي به حاله إلى أن ينتهي إلى تصوّر المحسوس ؟ لم تنشأ العناية من الفكر إذا ، سواء أشملت الحيوان أم شملت العالم الكلّيّ بوجه عامّ . فليس في عالم الروح تفكير