تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 621

مساهمون:

ص٦٢١
13 كيف يكون من المعقول أن ينشأ العرفان بوحدة المحلّ من المحلّ ذاته ، وبوحدة الإنسان من الإنسان المحسوس ، وكذلك القول في كلّ حيوان آخر مهما يكن أو في الحجر مثلا ؟ أليس الشّيء الذي يظهر شيئا ووحدته شيئا آخر تختلف عنه في ما تكون عليه في ذاتها ؟ فإنّه لا يسع الذّهن آنذاك أن يطلق « الواحد » على غير الإنسان مثلا . / ثمّ مثلما كان الذّهن لا يتحرّك عبثا في ما يتعلّق باليمين وما هو قبيلها ، بل يرى وضعا مختلفا فيقول « هنا » كذلك ينطق بالواحد إذا رأى شيئا . فليس أمره أمر حال واهية ، وهو لا يذكر الواحد إلّا بشيء عليه يرد . ولا يذكر ممّا ذكره بمعنى أنّ الشّيء قائم وحده وما من شيء غيره ، إنّما يعني بقوله « ما من شيء غيره » واحدا آخر . / فضلا على أنّ هذا « الآخر » أو « المخالف » إنّما هو أمر يأتي بعد ذلك . فإنّ الذّهن ، ما لم يستند إلى الواحد ، لا ينطق « بالآخر » ، أو « بالمخالف » ؛ وعندما يقول في الشّيء إنّه وحده ، إنّما يعني واحدا هو وحده ، فيكون قد نطق « بالواحد » قبل أن ينطق به « بأنّه وحده » . ثمّ إنّ القائل ، قبل أن يقول « الواحد » في غيره ، هو ذاته واحد ؛ والشّيء الذي يتناوله بقوله هو واحد أيضا ، / قبل أن يقول أو يتصوّر فيه شيئا . فإمّا أن يكون القائل واحدا ، وإمّا أن يكون أكثر من واحد أي ذا كثرة . وإن كان ذا كثرة ، فقد كان حضوره وهو من قبل واحد . وبعد ، فإنّ الذّهن عندما يذكر كثرة ، يذكر أكثر من واحد ، وعندما يذكر جيشا يتصوّر مسلّحين كثرا منتظمين في وحدة . ولمّا لم يكن الذّهن ليدع الجيش ، على كونه ذا كثرة ، باقيا على كثرته جعل الوحدة فيه بوجه ما أمرا واضحا . / فإمّا أن يمدّ بالوحدة وهي ليست متوافرة للكثرة ، وإمّا أن يتبيّن بحدّته الوحدة البارزة من النّظام فيسوق ذا الكثرة في طبعه إلى الوحدة . فإنّ الواحد في ذلك كلّه ليس شيئا باطلا ، كما أنّه ليس كذلك في المنزل وهو واحد بحجارته الكثيرة ، ولو كان الواحد بأن يقال في المنزل أحرى . وإن كان جديرا بأن يقال إنّه واحد ، / وكان ذلك أجدر أيضا بما لا يتجزّأ ، فإنّما في هذا ، لأنّ الواحد حقيقة متحقّقة وقائمة في ذاتها لا محالة . من المستحيل أن يقال « الأحرى » في ما ليس شيئا . بل نقول الذات في كل حسّيّ من الحسّيّات ، ونقولها أيضا في الروحانيّات فنجعلها بنوع « أخصّ » في الروحانيّات ، مفترضين / وجود « الأحرى » و « الأخص » في « ما يكون حقّا » ، ما دام الحقّ بأن يقوم في الذات ، حتّى الحسّيّة ، « أحرى » منه بأن يكون في الأجناس الأخرى . ومثلما نقول ذلك في الحقّ ، نقوله أيضا في الواحد إذ نشاهد له « أحرى » و « أخصّ » في الحسّيّات وحتّى اختلافا « بالأحرى » في الروحانيّات . فهو قائم حقّا من الوجوه كلّها / على أن يقال في قيامه الحقّ إنّه عائد إلى الواحد الأعلى . إنّما الذات والحقّ فكلاهما أمر روحانيّ لا حسّيّ ولو كان للحسّيّ منهما نصيبه . وكذلك القول في الواحد أيضا : نشاهده من خلال الحسّيات وقد أصابت منه بالاشتراك ، لكنّ الذّهن يدركه أمرا روحانيّا وبطريقة العرفان ، فيعرف أمرا من خلال أمر آخر لا يراه . لقد كان له بهذا الأمر الآخر معرفة سابقة إذا . / فإن كان
تاسوعات أفلوطين — صفحة 621 | أفلوطين