تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠
حركاتها هي ذاتها ، جعلت الأعداد قائمة في ذاتها . وما دامت على هذه الحال وفّقت بين الأعداد عددا عددا ، وبين جملة الأشياء شيئا شيئا وكلّ حقيقة من الحقائق . / وهي آنذاك على بصيرة ، إن لم ينسجم الشّيء مع عدده كلّا بكلّ ، من أنّها أمام أمرين : إمّا الّا يكون الشّيء ، وإمّا أن يخرج عن حدوده فهو شيء آخر ليس له عدد أو معنى . 12 ربّ قائل يقول في الواحد والوحدة إنّهما ليس لهما قيام في الذات إذ إنّ « واحدا » لا يكون إلّا بأن يكون شيئا هو واحد . بل الواقع هو أنّ انفعالا ما يقع في النّفس لدى اتّصالها بكلّ حقيقة من الحقائق . فنجيب أوّلا : وأيّ مانع يمنع ، لدى ذكرنا الحقّ ، من أن نقول فيه إنّه انفعال يقع في النّفس ، ومن أن ننفي على كلّ شيء كونه حقّا ؟ وإن قيل إنّ الحقّ ينبّه ويصدم ويحدث صورة / لدى الاتّصال به ، فإنّا نرى النّفس تنبّه وتتلقّى صورة لدى الواحد أيضا . وبعد ، فهل هذا الانفعال أو التصوّر في النّفس واحد أو ذو كثرة ؟ إذا قلنا إنّه ليس واحدا ، لم نأخذ الواحد من الشّيء ذاته إذ إنّا نفينا عليه كون الواحد مستقرّا فيه . إنّ الواحد حاصل فينا إذا ، / وهو في النّفس مستقلّا عن الشّيء واحد . أجل إنّا نستمدّ الواحد من الخارج إذ نتلقّى عرفانا ما أو انطباعا كأنّه في الشّيء صورة منه تردنا . فالذين يذهبون إلى أنّ مفهوم الأعداد والواحد هو أحد أنواع ما « يدّعونه لديهم من الصّور » ، إنّما يسلّمون للقيام في الذات بوجوه مثل التي وصفنا ، / ما دام يقابل بعض تلك المفاهيم قيام في الذات . وسيكون لنا معهم ، في هذا الموضوع كلام يرد في حينه . لكنّهم لن يسلّموا بذلك إن ذهبوا في تعليل مفهومنا إلى أنّه متأخّر ينبعث من الأشياء وينشئ فينا حالة أو تصوّرا : كأن تقول مثلا « هذا الأمر » أو « هذا الشّيء » أو أيضا « الجمهور » « العيد » و « الجيش » و « الكثرة » . فإنّ الكثرة ليست سوى الأشياء التي نقول إنّها كثيرة ، / وليس العيد سوى الجماهير المحتشدة المبتهجة بالشّعائر الدينيّة . وكذلك القول في الواحد . عندما نذكره لا نتصوّره شيئا قائما على حياله ، منفصلا عن الأشياء الأخرى . وما أكثر ما جاء من هذا القبيل ، كاليمين مثلا و « الفوق » وما يخالفهما . فما عسى أن يعني ، / نظرا إلى القيام في الذات ، « كون الشّيء على اليمين » سوى أنّه هنا أو هناك واقفا أو جالسا ؟ وكذلك القول في الجهة « فوق » : فلناحية وضع من هذا القبيل أو بأحرى في ذلك المكان من العالم الكلّيّ ونقول عنها إنّها « فوق » ؛ وهناك جهة أخرى نقول فيها إنّها « تحت » . كلّ هذه الأقوال يجب الجواب عليها بأنّ قياما في الذات يتحقق في كلّ شيء من هذه الأشياء . / على أنّ هذا القيام لا يكون واحدا معها كلّها ، سواء أكان من حيث علاقة بعضها ببعضها الآخر ، أم كان من حيث علاقتها كلّها بالواحد . فلا بدّ من أن نقف عند كلّ قول من تلك الأقوال ونتّخذه على حياله .