على ما يصله قيامه في ذاته من العرفان ، ما دام القيام في الذات إنّما يتمّ بعرفان تحقّق . ثمّ إن كانت العدالة هي وعرفان من هذا الطّراز شيئا واحدا ، فمن المحال الّا تغدو / العدالة إلّا ما يكون بمنزلة الحدّ لها . ولعمري ، هل يصبح كون العدالة أو الحركة معروفة أمرا غير إدراكهما في ما هما عليه في ذاتيهما ؟ وهذا يعني إدراك معنى الشّيء ولمّا يقم في ذاته ، وهو الاستحالة بالذات . وقد يقول قائل إنّ العلم في الأمور المنزّهة عن الهيولى هو والأمر المعلوم شيء واحد . فعند ذلك ينبغي / الّا يفهم القول بمعنى أنّ العلم هو الشّيء المعلوم بالذات أو أنّ العقل المشاهد هو الشّيء الذي يشاهده ، بل العكس هو الصّواب : وهو أنّ الشّيء ذاته ، ما دام منزّها عن الهيولى ، إنّما هو معروف وعرفان في الآن ذاته . وليس عرفانا على أنّه معنى الشّيء واتّصال به ، بل على أنّ الشّيء ذاته ، ما دام في العالم الروحانيّ ، / ليس إلّا روحا عارفا وعلما في الآن نفسه . فليس العلم هو الذي كان عاكفا على ذاته ، بل الشّيء في الملأ الأعلى هو الذي تناول العلم وقد بطل في كونه علما بشيء في هيولى فحوّله من حال إلى حال ؛ أعني أنّه جعله علما حقيقيّا أي علما لا يقال فيه عند ذاك إنّه صورة الشّيء ، بل هو الشّيء ذاته . ليس العرفان / بالحركة هو الذي أنشأ الحركة في حدّ ذاتها إذا ، بل هي الحركة في حدّ ذاتها التي أنشأت العرفان بحيث إنّها أنشأت ذاتها حركة وعرفانا . فإنّ الحركة الروحانيّة هي عرفان بذلك الأمر ، وهو ذاته حركة لأنّه الحركة الأولى إذ إنّ حركة أخرى لا تتقدّمها . وهذه الحركة هي الحركة حقّا لأنّها لم تكن لتقع عرضا على غيرها ؛ إنّما كانت تحقّق / المتحرّك بالذات وبالفعل . ومن ثمّ فإنّها ذات أيضا ، على أن تكون مختلفة بمعناها عن الحقّ بمعناه . ثمّ إنّ العدالة ليست عرفانا بالعدالة هي أيضا ، إنّما هي من الروح بمنزلة حال من أحواله . بل هي الروح وقد تحقّقت بحيث تشرق العدالة بوجهها وقد أدرك الروح حسنه في منتهاه ، فلا حسن النّجمة في الصّباح أو في المساء ولا حسن شيء من الأشياء المحسوسة على وجه الإطلاق . فهي أشبه بتمثال / نورانيّ وكأنّه استوى منبثقا ممّا كان عليه في ذاته ، وتجلّى في ما كان عليه في ذاته ؛ فغدا أحرى بالقول إنّه قائم حقّا في ما هو عليه في ذاته .
7 ينبغي أن نتصوّر الأمور بوجه عامّ قائمة في حقيقة واحدة ، وعلى أنّ حقيقة واحدة تشملها كلّها وكأنّها تحيط بها . وذلك بمعنى ما يكون عليه كلّ شيء على حدة في الأشياء الحسّيّة ، مثل أن الشّمس هنا وغيرها هناك ، بل بمعنى أنّ تلك الأمور كلّها قائمة معا في أمر واحد . فهذي هي حقيقة الروح . وبهذا المعنى تحاكيه النّفس في عالمنا ويحاكيه ما نعرفه بالطّبيعة التي بها / وعلى غرارها تنشأ الأشياء شيئا شيئا ، في حين أنّها تبقى هي لذاتها مع ذاتها . لكنّ الأمر في الملأ الأعلى يكون هو أيضا على حياله بالرّغم من كون الأمور كلّها
تاسوعات أفلوطين — صفحة 615
مساهمون: أفلوطين
ص٦١٥