قائما . ولذلك وجب الّا نتصوّر حركة مكانيّة ، الحركة التي نعرفها بأنّها حركة اللا نهاية ، كما أنّها ليس لها من تلقاء ذاتها نوع آخر ممّا نعرفه بالحركة . / وعليه لم تكن اللا نهاية للتحرّك ، ولكنّها لا تبقى ساكنة أيضا . وأين تبقى ساكنة ما دام « الأين » ينشأ بعدها ؟ فالظاهر أنّ الحركة تقال في غير المتناهي بمعنى أنّه لا يبقى ساكنا . أيكون وضعه وضع ظاهرة في السّماء تحوم في مكان واحد أو يكون في تذبذب بين ذهاب وإياب ؟ لا هذا ولا ذاك ! فالحكم في الأمرين كليهما إنّما يكون نظرا إلى مكان واحد ، سواء أكان الأمر أمر تحويم بدون / انحراف أم كان أمرا بانحراف . كيف عسانا إذا أن نتصوّر اللا نهاية ما هي ؟ بأن نجرّدها ذهنا من المثال . وعلى أيّ وجه نتصوّرها ؟ ألا ، إنّ بعضها على خلاف مع بعض وعلى غير خلاف في الآن نفسه . نتصوّرها شيئا كبيرا وشيئا صغيرا ، إذ إنّها تكون في الطّرفين كليهما . ونتصوّرها ثابتة ومتحرّكة إذ إنّها تكون على الحالتين كلتيهما . / لكنّها تبدو بجلاء ، قبل أن تكون ذلك كلّه ، على أنّها ليست هذا أو ذاك بصورة محدودة ، وإلّا لكنت أنت الذي حدّدتها . فإن كان الشّيء غير متناه ، وكانت تلك المخالفة بغير نهاية وتحديد ، تصوّرنا الشّيء على أنّه كلّ من المتخالفين . ثمّ إذا أقبلت عليه عن كثب ولم تلف عليه حدّا ما كأنّه شرك ، وجدته مفلتا من يدك وما ألفيته واحدا بحال ، إذ إنّك تكون قد حدّدته حينئذ . لكنّك إن / أقبلت على الشّيء بمعنى أنّه واحد ، بدا لك وهو أشياء كثيرة ؛ وإن قلت فيه إنّه أشياء كثيرة ، صار قولك قولا كاذبا . فإن لم يكن الشّيء واحدا لم تكن الأشياء كلّها كثيرة أيضا . ثمّ إنّ اللا نهاية في حقيقة ذاتها حركة إذا نظرت إليها بأحد التّصوّرين ، وهي سكون بقدر ما يقترب التّصوّر منها . فالعجز عن النّظر إليها من خلال ما تكون عليه في ذاتها ، إنّما هو حركة / تبتعد عن الروح ، وهو انفلات . لكنّها لا يتمّ لها الفرار وهي محصورة في دائرة تحيط بها من الخارج فلا يتاح لها أن تفصل بعيدا في انفلاتها : وذلك هو لها سكونها . فلا يجوز القول عنها إنّها تتحرّك فقط .
4 أمّا الأعداد ، فيجب البحث عنها على أيّ حال تكون في العالم الروحانيّ : هل ينبغي أن نتصوّرها ناشئة بعد المثل الأخرى أو تابعة لها دائما ؟ فالحقّ مثلا ، إنّما كان بحيث يبدو هو الأوّل ، فنتصوّر الوحدة . ثمّ يخرج من الحركة والسّكون ، فتكون الثّلاثة . وهكذا دواليك / في كلّ عدد من الأعداد الأخرى عند كلّ أمر روحانيّ جديد . أو لا تكون الحال كذلك ، بل تنشأ وحدة واحدة مع كلّ أمر روحانيّ جديد . أو الأحرى هو أن تنشأ الوحدة مع ما يكون ، ثمّ الاثنان مع ما يقع بعده ، ما دام بين الروحانيّات ترتيب . أو تكون الأعداد بقدر الكثرة في العالم الروحانيّ أيضا ، فإذا قدّرت الكثرة بعشرة كانت العشرة . أو لا تكون الحال هي هذه ، بل يتصوّر العدد ذاته قائما في ذاته ؛ وإن باتت الحال على هذا الوجه ، / فهل يكون العدد متقدّما أم
تاسوعات أفلوطين — صفحة 612
مساهمون: أفلوطين
ص٦١٢