متأخّرا على غيره ؟ يقول أفلاطون إنّ الإنسان انتهى إلى تصوّر العدد بوساطة تعاقب الواقع بين اللّيل والنّهار ، فجعل صورة العدد قائمة بما بين الأشياء من اختلافات . وربّما يعني أنّ الشّيء المعدود هو الذي يحدث العدد أوّلا ، ثمّ يستوي هذا الأخير في كيانه / إذ تجاوز النّفس مرحلة إلى مرحلة وتنتقل من شيء إلى آخر . ينشأ العدد إذا لدى النّفس إذا أحصت ، أعني إذا قالت لذاتها عند عبورها بالأشياء : هذا شيء وذاك آخر . على أنّها تنطق بالواحد آنذاك ما دامت تتصوّر الشّيء الواحد ذاته ولا الشّيء الآخر الذي يليه . لكنّه عندما يثبت في العدد الحقّ ذاتا ، / ويثبت العدد في ذات . يعود أفلاطون فيثبت للعدد قياما في ذاته ولا يجعله قائما في النّفس إذا أحصت .
إنّما تتنبّه النّفس إلى صورة العدد الذّهنية لدى التّقلّبات التي تتناول المحسوس .
5 ما عسى أن يكون العدد في حقيقته إذا ؟ هل يكون تلازما لكلّ ذات وكأنه شيء يلاحظ معها ؟ فالإنسان مثلا إنّما هو إنسان واحد ، والحقّ حقّ واحد ، والأمور الروحانيّة كلّها أمرا أمرا هي العدد كلّه . ولكن كيف تكون الاثنان والثّلاثة ، وكيف تحسب الأعداد كلها عددا واحدا ، وكيف يردّ عدد من هذا النّوع إلى الوحدة ؟ / فالوحدات كثيرة ما دام الوجه على هذه الحال ، لكنّ وحدة منها لن تتحوّل إلى فرد واحد ، ما عدا الواحد المطلق . إلّا إذا قلنا في الاثنين إنّهما الشّيء ذاته ، أو بالأحرى ما يدرك مع الشّيء ، ويكون هذا الشّيء منطويا على قوّتين يشتمل عليهما فكأنّه مركّب حتّى يصبح شيئا واحدا . أو إذا قلنا في الأعداد إنّها على نحو ما كان الفيثاغوريّون يتصوّرونها ، / في ما يبدو منهم ، منطلقين من القياس : فيرون أنّ « الأربعة » هي العدل وأنّ عددا آخر هو بمعنى آخر . ولكنّ هذا التّصوّر يجعل العدد أشدّ اقترانا بكثرة الشّيء الذي يظلّ مع ذلك واحدا ، وهو واحد بقدر ما يكون ذا كثرة ، كالعشريّة مثلا . إلّا أنّا لا نتصوّر العشرة على هذا الوجه ، بل على أنّا نجمع بعض الأشياء المتفرّقة إلى بعضها الآخر ، فنقول فيها إنّها « عشرة » . أجل إنّا نعني « العشرة » على هذا الوجه ؛ / لكنّا نعني « العشريّة » عندما ينشأ من أشياء كثيرة شيء واحد ، وعلى المعنى يكون الأمر في الملأ الأعلى . ولكن إن غدا الأمر على هذه الحال ، هل يكون للعدد قيام في الذات بعد ذلك ، ما دمنا نشاهده واقعا على الأشياء ؟ قد يقول قائل : « ولكن ما عسى أن يمنع الأبيض ، إن شاهدناه واقعا على الأشياء ، من أن يكون للأبيض في الأشياء قيام في الذات ؟ / لقد كان للحركة ، إذا شاهدناها واقعة على الحقّ ، قيام في الذات أيضا ، ما دامت حركة واقعة في الحقّ . لكن ليس الأمر في العدد مثلما هو في الحركة .
فإنّ الحركة شيء ما ، ولذلك شوهدت الوحدة واقعة عليها . ذلك ما يقال . ثمّ إنّ قياما في الذات من هذا الطّراز يقصي العدد عن أن يكون ذاتا ، بل هو بأن يجعله العدد عرضا أحرى .
على أنّه لا يكون ، / مع ذلك ، عرضا بوجه الإطلاق . فإنّه يجب في العرض أن يكون شيئا من
تاسوعات أفلوطين — صفحة 613
مساهمون: أفلوطين
ص٦١٣