تكون بالسّخر أجدر أيضا ، إذ إنّ الحجم والامتداد في الكرة الحسّيّة أمر معقول لا بدّ منه ، / في حين أنّها هي لا تحتاج إلى شيء ثمّ تمتدّ آنذاك وتخرج عمّا هي عليه في ذاتها . ولعمري ، ما عسى أن يمنعهما من أن تتوحّدا ؟ فإنّا لا نرى ، في هذه الحالة ، شيئا يدفع آخر ليأخذ عليه المكان كلّه ، كما أنّا لا نرى النّفس تضيق على علم كلّه مع نظريّاته ، ولا على العلوم كلّها . ربّ قائل اعترض على الأمر أنّه يستحيل في عالم الذّوات . / أجل ، لكان مستحيلا لو كانت الذّوات الحقّة أحجاما .
11 ولكن كيف يشتمل ما ليس بامتداد على الجسم الكلّيّ وهو بما نعرفه عليه من المقدار ؟
بل كيف ، وهو الواحد الباقي على ما هو عليه في ذاته ، لا يتبدّد آنذاك ؟ هذي هي المشكلة التي اعترضتنا غير مرّة ، فما زلنا نحاول بكلامنا جاهدين أن نريح الفكر من قلقه . كما أنّا أثبتنا الأمر ، غير مرّة ، أنّه كذلك هو . / إلّا أنّه لا يزال في حاجة إلى ما يزيده لدى العقل قبولا . هذا وإنّا لم نأل في التّفسير جهدا بل أرسلناه على أشدّه إذ علّمناه هذه الحقيقة ما هي . فإنّها ليست مثل حجر ، مثل حجر مكعّب ضخم ثابت حينما يكون ثابتا ، يشغل مكانا على قدره ، لا يسعه أن يخرج عن حدود ، يقاس على قدرها بحجمه / وبقوّة الحجريّة المحصورة فيه . بل إنّها الحقيقة الأولى غير المقاسة وغير المحدودة بكمّ يجب فيها أن تكون عليه ، إذ إنّها هي التي يقاس إليها كلّ ما سواها ، وهي القوّة كلّها لا تحدّد قطّ بكمّ . ولذلك لا تقع في الزّمان ، بل هي مستقلّة عن كلّ زمان . فإنّ الزّمان في تبدّد مستمرّ بدافع الامتداد ، / أمّا الأبد فهو باق في ما هو عليه في ذاته سائدا في الأزمنة ، ذا قوّة أزليّة يشرف بها على الزّمان الذي كأنّه يجري متعدّد الأطوار . مثله مثل خطّ يبدو سائرا إلى ما لا نهاية له ، مرتبطا بنقطة ، يعدو حولها ، فحيثما غدا غدت هذه النّقطة مرتسمة / وهي لا تعدو ، بل يرسم هو بسيره حولها دائرة . فإنّ بين الزّمان وبين ما كان في مستوى الذات ، باقيا على ما هو عليه في ذاته ، تناسبا إذا . وإنّ هذا الأمر الأخير ليس منزّها عن النّهاية بأبديّته فقط ، بل بقوّته أيضا . وإن كان ذلك كذلك ، وجب التّسليم ، في مقابل هذه القوّة التي لا تتناهى ، بطبيعة أخرى تعدو هي أيضا ، / فتتبع تلك القوّة مرتبطة بها . فإن جرت هذه الطّبيعة بأطوار متساوية مع أطوار الزّمان ، محدودة بالقدر الذي امتدّت إليه . فما عسى أن تكون هذه الطّبيعة التي تصيب ، على قدر ما يسعها أن تصيب ، من الحقيقة الأولى الحاضرة كلّها / ولو كانت لا ترى كلّا في كلّ شيء لعجز المحلّ الذي تحلّ فيه ؟ فإنّها حاضرة بمعنى أنّها كلّها أمر واحد يبقى على ذاته ، لا على نحو المثلّث الهيولانيّ الواحد وقد تحقّق في مثلّثات عديدة ، بل مثل المثلّث المنزّه عن الهيولى التي تتفرّع من المثلّثات الهيولانيّة . ولما ذا لا يكون المثلّث الهيولانيّ في كلّ مكان ، ما دام المثلّث المنزّه عن الهيولى في كلّ مكان ؟ لأنّه لا تصيب منه كلّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 608
مساهمون: أفلوطين
ص٦٠٨