تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 603

مساهمون:

ص٦٠٣
الملأ الأعلى كثيرة ، موزّعة بين مقام أوّل وثان وثالث ، وكأنّها ترتبط بمركز واحد لكرة واحدة ، لا يفصل بينها فاصل ، بل يتّصل بعضها مع بعض ، متداخلة حاضرا بعضها إلى بعض . فحيثما تكن حقائق المقام الثالث تحضر معها حقائق المقام الثاني والأوّل . 5 كثيرا ما يلجأ العقل قصد التّوضيح ، إلى صورة الأشعّة العديدة منبعثة من مركز واحد ، ليسوقنا إلى أن نفهم كيف تنشأ الكثرة . على أنّه ينبغي أن نذكر أنّ هذه الأشياء كلّها التي نقول فيها إنّها كثيرة إنّما تنشأ معا في آن واحد . فنقول في أمر الدائرة إنّه يجب في أشعّتها الّا نتصوّرها منفصلا بعضها عن بعض . / فإنّ الدائرة هي بسطح واحد . أمّا في الملأ الأعلى حيث لا تجد بعدا ما بالسّطح الواحد ، بل قوى وذوات منزّهة عن الامتداد ، فيصحّ القول في الأشياء كلّها إنّها متوحّد بعضها مع بعض بكون مراكزها في مركز واحد . فكأنّ الأشعّة انحبست في أطرافها الواقعة في جهة المركز ، فتوحّدت كلّها في هذا المركز آنذاك . / وإذا عدت الآن وأضفت الأشعّة ، رأيتها لا تزال مرتبطة بمراكزها ، كلّ شعاع بالمركز الذي منه انبعث . على أنّ أقلّ ما يقال في كلّ مركز آنذاك هو أنّه لا ينفصل عن المركز الأوّل الواحد ، فتغدو المراكز كلّها معه مع كون كلّ مركز على حاله . ممّا يؤدّي إلى عدد من المراكز يساوي عدد الأشعّة التي تطوّعت المراكز حدودا لها ، / فتظهر المراكز بقدر الأشعّة التي ترسلها ، على أن تكون كلّها بعضها مع بعض مركزا واحدا . هذا ونقارن بين الروحانيّات كلّها وبين المراكز الكثيرة التي ترد إلى مركز واحد وتتوحّد فيه . فإنّ هذه المراكز تظهر كثيرة بوساطة الأشعّة ، لا بمعنى أنّ الأشعّة تولّدها بل بمعنى أنّها تدلّ عليها . / وإن أقمنا هذه المقارنة فلنلجأ إلى الأشعّة لنستعين بها في بحثنا الحاضر ونقيس إليها الأشياء التي تتّصل الحقيقة الروحانيّة بها فتبدو في حضورها حقيقة كثيرة المظاهر منتشرة في كلّ صوب وناحية . 6 ذلك بأنّ الروحانيّات ، ولو كانت كثيرة ، إنّما هي أمر واحد . ثمّ إنّها ، على كونها أمرا واحدا كثيرة بطبيعتها التي ليس لها نهاية : كثرة في وحدة ، ووحدة في كثرة ، وكلّ مع كلّ . إنّ فعلها على الكلّ ، وكذلك القول في فعلها على الجزء . يتلقّى الجزء الفعل الذي يتحقّق عليه أنّه فعل الجزء أوّلا ؛ / ولكنّ الكلّ يتبع بفعله بعد ذلك . مثل ذلك مثل الإنسان في ذاته فيما لو أقبل على الإنسان الفرد المعيّن فأصبح هذا الإنسان وهو لا يزال الإنسان في ذاته . أمّا الآدميّ الواقع في الهيولى ، فإنّه منبعث من الآدميّ الواحد الثابت بالمثال ، وهو يحدث عددا كبيرا من الآدميّين الذين تكون / الآدميّة فيهم جميعا على السّواء . فيكون الإنسان الواحد ذاته في عدد كبير من الناس ، بمعنى أنّ شيئا واحدا أصبح وكأنّه منطبع في أشياء كثيرة . لكن لا يكون الإنسان