تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
2 أمّا العقل فإنّه يحاول أن يدقّق نظره في ما ذكرناه . ولكنّه ليس شيئا متوحّدا في ذاته ، بل شيئا مجزّءا ، فيلجأ في بحثه إلى الطّبيعة الجسمانيّة ومنها يستمدّ مبادئه . فيجزّئ تلك الذات معتقدا فيها أنّها من قبيل الجسم هي أيضا ، وينفي عنها وحدتها ما دام لا ينطلق في البحث / الذي نحن بصدده من مبادئه الخاصّة التي ينفرد بها . أمّا نحن فينبغي علينا ، إن كان البحث في الواحد الثّابت حقّا على وجه الإطلاق ، أن نتقيّد بالمبادئ التي تنفرد بإثباته ، أعني المبادي التي تتعلّق بالذات الحقيقيّة ، ما دام الأمر أمر روحانيّات . وبعد ، فإنّ لدينا شيئين : الشّيء المتنقّل المعرّض للتّغيّرات على اختلاف أنواعها / والذي يتجزّأ حيثما يحلّ ، فالاسم الذي يليق به هو اسم الصّيرورة ولا اسم الذات . ثمّ الحقّ الثابت على الدّوام ، غير المتجزّئ ، المتساوي في حاله ، لا ينشأ ولا يفنى ، ليس له من ناحية يحلّ فيها ولامكان ولا كرسيّ يستوي عليه ، فلا يخرج من جانب ليدخل في آخر مهما يكن . إنّه باق / في ذاته مع ذاته . فمن كان بحثه في الشّيء الأوّل انطلق في بحثه من طبيعة ذلك الشّيء ومن المسلّمات المتعلّقة بها ، فيلجأ إلى الظّنّ ليبدي ، بأدلّة ظنّيّة ، أحكاما ظنّية . أمّا الذي يقبل على البحث في الأمور الروحانيّة ، فإن انطلق من حقيقة الذات التي يعالجها جعل بحثه قائما على أسس صحيحة . / فلا يصبح كأنّه أغفل هذه الذات وعدل عنها إلى طبيعة أخرى ، بل ينطلق منها ليركّز فكره عليها . إنّ الأصل في البحث عن الشّيء هو الكشف عن الشّيء ما هو دائما . ويقال في الذين يحدّدون الشّيء تحديدا دقيقا إنّهم يدركون من العوارض ذاتها معظمها . / أمّا الأمور التي يغدو ما تنطوي عليه كامنا في ما تكون هي عليه في ذاتها فأشدّ حرّيّة أيضا بأن يجب فيها التّقيّد بذلك الذي أمست عليه في ذاتها . فإليه ينبغي أن تتوجّه الوجوه وأن تردّ الأشياء كلّها . 3 كان ذلك الأمر إذا هو الحقّ حقّا ، متساويا في حاله ، لا يخرج من ذاته ولا يخضع قطّ للصّيرورة أو يقال فيه إنّه في مكان . وإن كان ذلك كذلك وجب في هذا الأمر أن يستمرّ على هذه الحال باقيا مع ذاته في ذاته دائما ، فلا ينفصل عن ذاته ولا يكون شيء منه هنا وشيء آخر هناك ، بل لا يتسرّب منه شيء إلى الخارج . / وإلّا لكان متنقّلا من محلّ إلى آخر ، ولأصبح ، بوجه عامّ ، في غيره ، فلا يمسي قائما في ذاته منزّها عن الانفعال . إنّما ينفعل إن كان في غيره ؛ وإن لم يكن في حال الانفعال ، لم يكن في غيره . فإن كان لا ينفصل عن ذاته ولا يتجزّأ أو يعتريه قطّ تغيير ، وكان بعضه مع بعض في الكثرة وهو واحد كلّا قائما مع ذاته ، / تمّ له ، ما دام هو ذاته مع ذاته حقّا في كلّ ناحية من النّواحي أن يكون ، وهو كذلك ، موزّعا في الكثرة . وهذا يعني أنّه قائم في ذاته كما أنّه ليس قائما في ذاته . بقي القول فيه إذا إنّه ليس في شيء قطّ ، بل الأشياء هي التي تأخذ منه ، أعني تلك التي يسعها أن تحضر فيه وبقدر ما يسعها أن تحضر . فقد أصبحنا مع