الفصل الخامس ( 23 ) في أنّ الحقّ هو كلّه في كلّ وجه من الوجوه ولو كان واحدا في ذاته ( المقال الثاني )
1 إنّ كون الأمر الواحد الباقي على ذاته بالعدد موجودا كلّا وفي آن واحد في كلّ وجه من الوجوه ، إنّما هو رأي أجمع الناس عليه . فإنّهم جميعا مدفوعون بالفطرة والجبلّة إلى القول في الإله المستقرّ في كلّ منّا إنّه واحد باق على ما هو عليه في ذاته . وإن لم نسألهم عن الوجه في ذلك ولم نرد إمعان النّظر في ما يذهبون إليه ، أثبتوا / رأيهم على ما يبدو لهم ووقفوا عنده مطمئنّين إلى أنّه اليقين حقّا . فيعتصمون ، إن جاز لنا القول ، بذلك الواحد الباقي على حاله ولا يريدون بعد ذلك أن يفصل بينهم وبين تلك الوحدة القائمة فيهم . فإنّ هذا المبدأ هو أقوى المبادي رسوخا ، وكأنّ نفوسنا تهمس به همسا . لا نستخلصه من استقراء الجزئيّات واحدا بعد واحد ، بل نراه / مطلّا قبل الجزئيّات كلّها ، وقبل ذلك المبدأ الذي يثبت لدى الأشياء كلّها رغبتها في الخير ويدلّ عليها . والواقع هو أنّ هذا المبدأ الأخير لا يصحّ حقّا إلّا إذا كانت الأشياء كلّها تسعى إلى أن تتوحّد ، وإذا كانت أمرا واحدا حقّا وكانت رغبتها رغبة في التّوحّد . أجل إنّ هذا الواحد يشمل كلّ صوب وجانب في تمدّده ، بقدر ما يسعه أن يتمدّد ، / فيبدو ذا كثرة وهو ذو كثرة حقّا من وجه ما . لكنّ الحقيقة القديمة والرّغبة في الخير الذي لا يكون إلّا لذاته إنّما تسوق حقّا إلى التّوحّد ، وهذا هو الذي تسعى إليه كلّ حقيقة ، أعني أنّها إنّما تسعى إلى تحقّق ما هي عليه في ذاتها . فإنّ لهذه الطّبعية الواحدة من خير أن تكون لذاتها وأن تمسي ما من شأنها أن تكون عليه في ذاتها ، وهذا يعني أن تكون في ذاتها واحدة . بهذا المعنى كان القول في الخير إنّه ما يختصّه الشّيء / قولا صوابا . ولذلك وجب في الخير الّا يبحث عنه في الخارج . وليت شعري كيف يكون الخير واقعا خارج الحقّ ؟ بل أنّى لنا أن نعثر عليه في الباطل ؟ فإنّ الخير في الحقّ لا محالة ما دام الخير ليس هو الباطل . وإذا كان الخير هو الحقّ وثابتا في الحقّ ، كان لدى كلّ شيء في ما يكون عليه هذا الشّيء في ذاته . لسنا منفصلين عن الحقّ إذا ، / بل إنّا في الحقّ ، كما أنّ الحقّ ليس منفصلا عنّا . فكانت الأشياء بذلك كلّها أمرا واحدا .