ذلك كلّه أمام أمرين لا ثالث لهما : / إما أن ننفي ما افترضناه وننفي معه المبادئ التي شرحناها . وإمّا ، إن كان هذا أمرا مستحيلا ووجب القول بمثل تلك الحقيقة والذات ، أن نعود إلى ما سبقنا وأثبتناه . وهو القول بأمر واحد باق على ذاته عددا ، غير مجزّأ بل قائم في ذاته كلّا . ليس منفصلا عمّا يختلف عنه مع أنّه لا يحتاج إلى أن يندلع في غيره ، / سواء أكان بأن ينبعث منه بعض أجزائه أو بأن يبقى هو كلّا على ما يكون عليه في ذاته ، ثمّ يتفرّع منه شيء يغادره فينتشر على الأشياء الأخرى في كلّ صوب وجانب . فضلا على أنّه ، في هذه الحالة ، يصبح هو في ناحية وما يتفرّع عنه في ناحية أخرى ، فيكون حالّا في محلّ ما دام قد فصل البعد بينه وبين ما تفرّع منه . / أمّا الأمور التي تتفرّع منه فإمّا أن يكون كلّ منها كلّا ، وإمّا أن يكون جزءا . فإن كان جزءا لم يبق على حقيقة الكلّ كما ذكرنا . وإن كان كلّ منها هو الكلّ ، فإمّا أن نجزّئ هذا الكلّ بعدد أجزاء الشّيء الذي حلّ فيه على التّساوي ، وإمّا أن نسلّم بكلّ باق على ما هو عليه في ذاته يسعه أن يكون ، وهو كذلك ، في كلّ ناحية من النّواحي . / هذا وإنّ سياقنا في البحث هنا سياق ينطلق من موضوع البحث ذاته ، أعني من الذات ، فليس فيه شيء غريب عليه أو مستمدّ من الطّبيعة الأخرى .
4 هذا ودونك الآن ، إن شئت ، الدّليل الثاني . لا نقول في الإله إنّه هنا وليس هناك . فإنّ الرّأي الذي يجمع عليه كلّ الذين لهم بالإله معرفة هو القول ، ليس في هذا فقط بل في الآلهة كلّها أيضا ، إنّها حاضرة في كلّ ناحية من النّواحي ، . ويدلّ العقل هو أيضا على أنّه يجب في القول أن يكون بهذا المعنى . فإن كان الإله في كلّ ناحية ، / كان التّجزّؤ عليه محالا . وإلّا لما عاد هو ذاته في كلّ ناحية من النّواحي ، بل غدا موزّعا مع كلّ جزء من أجزائه ، هذا هنا وذاك هناك ، ولما بقي هو متوحّدا في ما كان عليه في ذاته ، فيصبح آنذاك بمنزلة مقدار ما إذا قطع إربا إربا فزال ، ما عادت أجزاؤه هي الكل الذي كان عليه في ذاته . فضلا على أنّه يصبح أمرنا جسما آنذاك . وإن / كان ذلك كلّه مستحيلا ، عاد ما كنّا نتردّد فيه وظهر ، وهو أنّ الإنسان مفطور مطلقا على أن يجمع إلى اعتقاده في الإله ، اعتقاده في هذا الإله أنّه باق بعضه مع بعض على ما هو عليه في ذاته ، كلّا في كلّ ناحية من النّواحي . وأيضا : إن نفينا النّهاية عن تلك الحقيقة ، إذ إنّا لا نقول فيها إنّها متناهية ، فما عسانا نعني بنفينا سوى أنّها لا تخلو عنها قطّ ناحية ؟ وإن لم يكن شيء ليخلو عنها ، كانت هي حاضرة / في كلّ شيء . وإن لم يكن بوسعها أن تحضر في ناحية خلا عنها وجه فاته حضورها ، فإنّا وإن قلنا في الواحد إنّ بعده أمرا آخر ، لا بدّ لنا من القول أيضا إنّ هذا المتأخّر إنّما هو مع الواحد ، يدور حوله ويوجّه وجهه إليه . فهو نتيجة الواحد لا يزال متّصلا به بحيث يكون ما يشاركه في كيانه مشاركا للواحد في كيانه . هذا وإنّ الحقائق / في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 602
مساهمون: أفلوطين
ص٦٠٢