تارة ، فغدا / من وجه ما ، مزيجا من الخير الذي كان عليه في ذاته ، ومن الشّرّ الغريب عليه وقد صار إليه .
16 ولكن إن لم يكن شأن هذه الحقيقة أن تصير شرّيرة ، وإن كان هذا هو وضع النّفس في إقبالها على البدن وحضورها فيه ، فما معنى الهبوط والارتقاء في أدوارهما المحدّدة ؟ ثمّ ما عسى أن يكون من معنى للجزاء وللثّواب وللتّقمّصات في أبدان الحيوانات الأخرى ؟ إنّ هذه لتعاليم في النّفس أخذناها عن القدامى أفاضلهم ، / ويجدر بنا أن نحاول ونبيّن كيف يتّفق قولنا الآن معها أو على الأقل كيف أنّه لا يخالفها . إنّ مشاركة ذلك الأمر في كيانه ليست بإقباله هو إلى الطّبيعة الجسمانيّة وانفصاله عمّا هو عليه في ذاته ، بل بأن تنشأ هذه الطّبيعة الأخيرة فيه وتشاركه كيانه . ممّا يتبيّن أنّ ما يذكرونه على أنّه « قدوم » إنّما يجب القول فيه / إنّه نشوء الطّبيعة الجسمانيّة في عالم الروح . وهو نشؤ بمعنى الاشتراك في الحياة وفي النّفس على الّا يكون هذا « القدوم » قدوما بالمكان ، بل أن يكون من نوع هذا الاشتراك الخاصّ القائم بين النّفس والبدن ، مهما يكن وجهه . إنّ الهبوط هو الوجود في البدن إذا ، بمعنى أنّها النّفس تمدّه بشيء من ذاتها بدون أن ينفرد بها . / فيكون انفصالها بأن تصبح وليس بينها وبين البدن صلة قطّ . ثمّ إنّ لهذا الاتّصال الخاصّ بين النّفس والبدن نظاما يرتبط بمقتضاه بعض أجزاء العالم الكلّيّ ببعضه الآخر . فيكثر لدى النّفس ، لكونها في أسفل العالم الروحانيّ ، إن جاز لنا القول ، إعطاءها من ذاتها لعالمنا ، ما دامت تجاوره وهي أقرب إليه بحكم طبيعتها الخاصّة . / ولا غرو إن كان الشّرّ في اتّصالها بالبدن والخير في أن يتجرّد من علائقه . ولما ذا ؟ لأنّها ، ولو لم تكن نفس هذا البدن حقّا ، فإنّما يقال فيها إنّها نفسه على كلّ حال ، فتصبح ، من وجه ما مهما يكن ، نفسا جزئيّة منفصلة عن الكلّ . لا تكون منصرفة بفعلها نحو الكلّ عند ذاك ولو كانت لا تزال من الكلّ وله ، وتصبح بمنزلة العالم إذا حصل العلم كلّه ، / ثمّ لم يتصرّف إلّا بشيء من نظريّاته فقط ؛ وما كان الخير له أن يتصرّف بشيء من علمه فقط ، بل بالعلم كلّه الذي حصل لديه . إنّ النّفس إنّما هي من الكلّ الروحانيّ وله إذا ، تواري في هذا الكلّ ما كانت عليه من جزأيه . ثمّ ما هي إلّا وكأنّها تثب من الكلّ إلى الجزء الذي تتحوّل عليه بفعلها ، مع أنّه جزء من أجزائها ، مثل ذلك مثل / النار إن كان بوسعها أن تحرق كلّ شيء ثمّ حوّلت كرها إلى إحراق شيء صغير بالرّغم من اشتمالها على قوّة الإحراق كلّها . إذا قامت النّفس على حدة غدت هي النّفس الكلّيّة ، وكانت هي آنذاك كلّ نفس وإن لم تكن كلّ نفس بالذات . أمّا إذا انفردت ، لا بالمعنى المكانيّ ، / بل بمعنى أنّها تحقّقت في ذاتها فأصبحت شيئا جزئيّا ، كانت جزءا من النّفس الكلّيّة لا النّفس الكلّيّة ذاتها . على أنّها لا تزال ، مع ذلك ، تلك النّفس الكلّيّة من وجه آخر . فإن لم تكن لتشرف على
تاسوعات أفلوطين — صفحة 598
مساهمون: أفلوطين
ص٥٩٨