تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
وإذ بعض هنا وبعض هناك يرهف الأذن فيسمع ويتلقّى ، فيتحقّق سماع ما ينطوي على ما يتحقّق فيه وهو حاضر . فنكون آنذاك قد أصبحنا الطّرفين كليهما ، وما عدنا الطّرف الذي كنّا عليه فيما مضى . بل قد نكون الطّرف الذي ألحقناه بذواتنا بعد ذلك لدى تخاذل / الطّرف الأوّل أو غيابه بوجه ما من الوجوه . 15 ولكن كيف أقبل ذلك الذي قد أقبل وتحقّق إقباله ؟ الواقع هو أنّه كان في هذا المقبل استعداد لما تمّ له ، فحصل على ما كان له مستعدّا . لقد نشأ بحيث يتلقّى نفسا . بيد أنّه نشأ بحيث لا يتلقّى النّفس كلّها ، ولو كانت كلّها حاضرة ، إذ إنّها لا تحضر لتكون نفسه هو فقط . فإنّ جميع الحيوان والنّبات مثلا ، إنّما يتلقّى منها / بالقدر الذي يتّسع له . مثل ذلك مثل الصّوت الذي يدلّ على معنى ، ينطوي بعضه على المعنى والصّدى الصّوتيّ ، ويكون بعضه الآخر صوتا وصدعا في الهواء . إذا نشأ الحيوان إذا ، حصل من الحقّ على نفس تحضر فيه وبها يرتبط بالحقّ كلّه . على أنّه يحضر فيه جسم أيضا / لا يكون فارغا أو محروما من النّفس . فإنّ هذا الجسم لم يكن قبل ذلك في غير ذي نفس ، بل أصبح الآن وكأنّه ازداد قربا باستعداده ، فما عاد جسما فقط بل صار جسما حيّا . فكأنّه بهذا القرب أصاب من النّفس أثرا . ولست أعني بالأثر جزءا من أجزائها ، بل شيئا من حرارة / تتسرّب وإشعاع ينتشر . فكانت الشّهوات واللّذّات فيه ، وكانت الآلام وأخذت كلّها بالتفاقم . ليس الجسم شيئا غريبا على الحيوان الذي نشأ إذنا والواقع هو أنّ النّفس قد انبعثت من العالم الإلهيّ فكانت مطمئنّة مسترسلة مع الطّبع الذي هي عليه في ذاتها . أمّا الجسم فالضّعف مستحكم فيه والاضطراب ، / وهو شيء يجري ، فلا غرو إن كان هو أوّل ما يصاب بالصّدمات من الخارج ، فيردّد صداها في الناحية المشتركة بين النّفس وبينه من الحيوان ، وينتشر على الكلّ اضطرابه . كذلك يكون الشّيوخ في مجالسهم يعالجون الأمور بروح الاطمئنان فيدخل عليهم شعب ثائر يطلب خبزا أو يشكو مصائب أخرى نزلت به ، / فيرمي المجلس كلّه في جلبة مشئومة . إذا سكن هذا الحشد فقام بهم حكيم خاطبا ، عاد الجمهور إلى النّظام ورزانته وما كان الشّر هو السائد . وإلّا تغلّب الشّرّ على الخير المؤدّي إلى السّكينة / لأنّ الدّهماء الهائمة لا يسعها أن تتلقّى كلام العقل ، وكان في ذلك فساد البلد والمجلس . وكذلك فساد المرء أيضا في أن يحمل بين جنبيه غوغاء اللّذّات والشّهوات والمخاوف وقد تمّ لها السّيادة ، فاستسلم على حاله هذه إلى غوغاء مثل هذه الغوغاء . أمّا الذي تسلّط / على هذه الغوغاء ، وارتقى إلى ذلك المقام الذي كان عليه سابقا ، فقد توافرت له حياة ذلك الإنسان ، وأعطى ، وهو على هذه الحال ، ما يعطيه للبدن على أنّ البدن منه شيء غريب عليه حقّا . هذا وربّ امرئ آخر عاش على هذه الحال طورا ثمّ على حال أخرى