تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
بدوره قائم في ذاته حقّا . وربّ حضور كان حضور شيء مفارق . / فإنّ حضور الحسّيّ في الروحانيّات ، بقدر ما يحضر منه فيها وفي ما يحضر منه فيها ، إنّما يختلف عن بعض حضور بعض الروحانيّات في بعضها الآخر . فالجسم حاضر في النّفس على وجه ، والعلم في النّفس بوجه آخر ، والعلم في العلم إن كان كلاهما في محلّ واحد على وجه ثالث . ومختلف عن هذه الوجوه كلّها وجه حضور الجسم إلى جسم آخر . / 12 ربّ صوت يدويّ في الجوّ ، وفي الصّوت لفظ ، فتتلقّاه أذن واعية وتدركه . فإن جعلنا في الوسط الفارغ أذنا أخرى أقبل اللّفظ والصّوت عليها هي أيضا . أو بأن تقبل الأذن هي ذاتها على اللّفظ أحرى . وربّ عيون كثيرة تبصر شيئا واحدا وتمتلئ كلّها / بمشاهدته ، ولو كان المشهد بمعزل عنها كلّها . ويتمّ ذلك كلّه لأنّه كان يقابل الشّيء عين هنا وأذن هناك . فكذلك القول في النّفس أيضا ، يتوافر إدراكها لما كان بوسعه أن يدركها ، ثمّ يتوافر من أمرها بالذات لشيء ثان وثالث وهلمّ جرّا . أمّا الصّوت فإنّه يمتدّ إلى كلّ ناحية من نواحي الجوّ ، وهو صوت واحد ، لا بمعنى أنّه مجزّأ بل بمعنى أنّه كلّ في كلّ مكان . وكذلك القول في البصر : / إذا تأثّر الجوّ بشيء أمسك بالصورة وأمسك بها غير مجزّأة ، فحيثما يجعل البصر ، يدرك الصورة . ولكن ربّما لا ينسجم هذا المثل مع كلّ مذهب ، إلّا أنّا نذكره هنا لأنّ فيه هو أيضا أخذا وإصابة من الأمر الواحد الذي يبقى على ما هو عليه في ذاته . أمّا مثل الصورة فإنّه أوضح ، بمعنى أنّ المثال هنا منتشر كلّا في الجوّ كلّه . / فالواقع هو أنّه لم نكن لنسمع كلّنا لو لم يكن اللّفظ الواقع في الصّوت كلّا في كلّ مكان ، ولو لم يكن كلّ سمع ليتلقّى على التّساوي مع غيره اللّفظ كلّه . إنّ الصّوت هنا منتشر كلّا في الجوّ كلّا ، ثمّ لا يصحّ أن يقال في هذا الجزء من أجزائه إنّه مقرون بهذا الجزء من الجوّ أو إنّه يتجزّأ هو بتجزّؤ الجوّ . وإن كان الأمر كذلك ، فلما ذا تتردّد في ما / إذا كانت النّفس لا تمتدّ إلى الجسم كلّه بدون أن تتجزّأ بتجزّئه ؛ بل تشمل ، حيث تحضر ، كلّ ناحية بحضورها ، وهي من الكلّ في كلّ ناحية من نواحيه منزّهة عن التّجزّؤ ؟ إذا حلّت في الجسم الذي يحدث لها أن تحلّ فيه ، كان شأنها شأن الصّوت وقد دوّى في الجوّ . أمّا قبل حلولها في الأجسام ، فإنّها كالذي يحدث صوتا أو سوف يحدث . / على أنّها ، حتّى لدى حلولها في البدن ، لا تكون على حال تخالف حال من يحدث الصّوت : فهو إذ يحدث الصّوت يمسكه ويمدّ به في آن واحد . أجل إنّ الأمر في الصّوت ليس هو هو ذاته الأمر الذي اتّخذ الصّوت من أجله مثالا ، إلّا أنّ بين الطّرفين شبها من وجه ما . أمّا الأمر في النّفس فإنّه من طبيعة أخرى ، فيجب / الّا نفهمه بمعنى أنّ شيئا من النّفس يكون في الأجسام وآخر فيها هي ذاتها . بل النّفس كلّا إنّما تكون في ذاتها على أنّها تظهر في الأشياء الكثيرة أيضا .