في صورة من هذا النّوع إنّها إخراج الرّسّام ، / بل إنّها إخراج أحدثه ما كان بين الألوان من تشكيل خاصّ آنذاك . كما أنّ الرّسم ليس إحداث صورة ارتسام بالمعنى الحقيقيّ مثلما هو الأمر مع الانعكاسات التي تتمّ في الماء أو في المرايا والأظلال . فالصورة هنا إنّما تستمدّ وجودها من أصلها المتقدّم عليها حقّا ، وهي تنشأ عنه ، وما ينشأ عند ذاك يغني إذا ما فصل عن أصله . / على هذا الوجه يجب أن نتصوّر انبعاث القوى ، وقد ضعفت ، من تلك التي تتقدّم عليها . أمّا القول في النار ثانيا ، فإنّا نجيب عليه أنّ الحرارة يجب فيها الّا يقال عنها إنّها صورة النار إلّا إذا قلنا بأنّ في الحرارة نارا . وإن قلنا بذلك ، جعلنا الحرارة شيئا منفصلا عن النار . / ثمّ إنّ الجسم الساخن لا يلبث أن تخمد حرارته عاجلا أم آجلا ، لدى زوال النار . لكنّ خصومنا إن ذهبوا إلى أنّ تلك القوى لا تلبث أن تخمد هي أيضا ، انتهوا من ذلك أوّل ما انتهوا إلى القول في الواحد إنّه وحده المنزّه عن الفساد ، فيفسحون للفساد إلى النّفوس والروح مجالا . ثمّ إنّهم يجعلون ما يجري خارجا من ذات باقية على حالها وهي لا تجري . / وإن كانت الشّمس ، مع ذلك ، ثابتة في مركز مهما يكن أمدّت بنورها الواحد ذاته الأمكنة ذاتها . فإذا قال قائل في هذا النور إنّه ليس هو ذاته ، دعم بذلك القول ، في جسم الشّمس أنّه يجري . هذا وإنّا ، في غير هذا المكان ، قد ذكرنا بما فيه المزيد ، أنّ ما ينبعث من ذلك الأمر لا يعتريه الفساد وأنّ النّفوس لا تفنى ، لا ولا الروح أيضا . /
11 ولكن ، ما دام هذا الأمر الروحانيّ كلّا في كلّ ناحية من النّواحي ، لما ذا لا تشاركه الأشياء كلّها في كيانه كلّا ؟ لما ذا نقول فيه إنّ له مشاركا من المقام الأوّل ، ثمّ من المقام الثاني ، وهكذا دواليك ؟ الواقع هو أنّه ينبغي أن نعتقد في الشّيء الذي يحضر إلى شيء آخر أنّ حضوره مقيّد باستعداد ما يتلقّاه . فالحقّ حاضر في الحقّ أينما طلبته إذ إنّه لا يتخلّى / عن ذاته . بيد أنّه يحضر فيه ما كان هذا الحضور بوسعه ، وبالقدر الذي يتّسع له ، على الّا يكون حضورا بالمكان .
على هذا الوجه يحضر التّشفيف في النور ؛ أمّا المعكّر فاشتراكه في هذا الحضور على خلاف ذلك . فالمقام هنا ، أوّلا وثانيا وثالثا ، إنّما هو مقام الرّتبة والقوّة والفروق ، وليس مقاما بالمكان . ولا يمنع الأمور المختلفة مانع من أن يكون بعضها مع بعض ، / مثل النّفس والروح والعلوم كلّها ، المهمّة منها وما دون هذه أهمّيّة . ثمّ إنّ الشّيء الواحد يدرك البصر لونه ، والشّمّ عطره . فلكلّ حسّ محسوسه ، وهذه المحسوسات كلّها بعضها مع بعض ، غير منفصلة . أوليس ذلك الأمر كذلك ، مختلفا متعدّدا في وجوهه ؟ بلى ! ولكنّه بسيط في وجوهه المختلفة ، / واحد في كثرته . إنّه واحد وذو كثرة في بنيته المعنويّة ، وإنّما الحقّ كلّه واحد في ذاته . فإنّ فيه غيره ، والغيريّة من لوازم الحقّ إذ إنّها ليست من لوازم الباطل . ثمّ إنّ الحقّ من لوازم الواحد ما دام لا ينفصل عنه ، فحيثما يكن الحقّ يكن حاضرا معه كونه واحدا ، والواحد
تاسوعات أفلوطين — صفحة 593
مساهمون: أفلوطين
ص٥٩٣