تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
بل يبقى على حاله وهو منتشر على السّطح الخارج كلّه ؟ أو لسنا نقول في النور المنظور في الحجم الصّغير إنّه مستول على هذا السّطح الخارج كلّه ؟ وبعد ، / فإنّ ذلك النور لم يكن منبعثا من ذلك الحجم الجسمانيّ الصّغير ، ولم يكن النور من حيث إنّه جسم ، بل من حيث إنّه جسم ساطع بالنور ، وهو كذلك بقوّة أخرى ليست قوّة جسمانيّة . فإذا أزلنا الآن حجم الجسم واحتفظنا بالقوّة النورانيّة ، هل لنا أن نقول في النور ، من بعد ، أين يكون ، أم لنا أن نقول إنّه بالتّسوية موزّع على جوف / الكرة وعليها كلّها من الخارج ؟ لا يسعك آنذاك أن تحدّد بالذّكر أين كان النور كامنا ، ولا أن تقول من أين جاء أو إلى أين يتّجه . بل تقيم حائرا وقد أخذك العجب فتنظر إلى النور وهو في الآن نفسه في هذه الناحية وفي غيرها من نواحي الجسم الكرويّ . وكذلك القول في الشّمس / : يسعك أن تخبر عن النور من أين يشعّ ثمّ ينتشر في الجوّ كلّه إذا نظرت إلى جسم الشّمس . لكنّك ترى النور مع ذلك ، وهو هو ذاته في كلّ صوب وجانب لم ينله قطّ تجزّؤ . وتدلّ على ذلك الأجسام التي تحول بينه وبين أن ينتهي إلى ما يقابل الجهة التي منها انبعث ، ثمّ لم تكن تلك الأجسام لا لتقسّمه . هذا ولو كانت الشّمس قوّة فقط ، / لا جسم لها ثمّ أمدّت بالنور ، لما كانت الشّمس للنور مصدرا منه ينبعث ولما وسعك أن تقول من أين جاء . بل لكان النور منتشرا في كلّ صوب وجانب وهو واحد باق على ما هو عليه في ذاته ، لا بداية له ولا أصل لانبثاقه . 8 أجل ، إنّه ليسعك أن تقول في النور ، وهو نور جسم ما ، من أين جاء ، إذ يسعك أن تقول في الجسم أين يكون . أمّا المنزّه عن الهيولى ، إن ثبت وجوده ، فإنّه لا يحتاج قطّ إلى جسم ما دام قبل كلّ طبيعة جسمانيّة ، مقيما في ذاته مع ذاته أو يكون أولى به الّا يحتاج إلى إقامة من هذا النّوع . / فإنّ الأمر الذي تغدو حقيقته من هذا الطّراز ، وليس له أصل منه يندفع ، ولا يأتي من مكان أو يكون لجسم مهما يكن ، كيف تقول فيه إنّ شيئا منه هنا وشيئا آخر هناك ؟ فإنّه يصبح آنذاك منطلقا من أصل هو أصله وتابعا لشيء ما . بقي لنا القول بأنّه إذا شارك شيء ذلك الأمر في كيانه شاركه كلّا بوساطة ما في الكلّ من قوّة ، / ثمّ لا يتأثّر هو قطّ ولا يتجزّأ . إنّ ما كان له بدن طرأ عليه الانفعال ولو عرضا ، فيقال فيه إنّه ينفعل ويتجزّأ ما دام شيئا تابعا للبدن ، كأن يكون حالا مثلا أو مثالا . أمّا ما لا يكون لجسم بحال بل يريد الجسم أن يكون له ، / فلا يناله قطّ انفعال من انفعالات الجسم حتما ، كما أنّ التّجزّؤ يستحيل عليه . إنّما يقع التّجزّؤ على الجسم وهو انفعال الجسم أصلا ما دام جسما . وإن كان التّقسيم بالجسميّة كانت النّزاهة عن التّقسيم بعدم الجسميّة . فلعمري ، كيف تقسّم ما ليس له مقدار ؟ عندما تقول في الأمر الواحد / إنّه في أشياء كثيرة ، لا تعني أنّه تحوّل هو إلى أشياء كثيرة بل تخلع عليه ، باقيا على ما هو عليه في ذاته ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 590 | أفلوطين