قال قائل في الجسم مقسّما إنّ للجسم أجزاء تكون أجساما هي أيضا ؟ إلّا أنّ التّقسيم لا يقع هنا على الجسم ، بل على جسم مكمّم . فإنّما يقال في الجزء إنّه جسم نظرا إلى المثال الذي يكون جسما . وليس للمثال كمّ محدود ، بل ليس له كمّ قطّ مهما يكن . /
4 كيف يكون لدينا الحقّ من ناحية ثمّ الحقائق وأرواح كثيرة ونفوس كثيرة أيضا ، إن كان الحقّ في كلّ صوب وجانب واحدا على غير الوحدة في النّوع ، وكان الروح واحدا والنّفس واحدة ولو كنّا نميّز نفس الكلّ عن النّفوس الأخرى ؟ فإنّ هذا كلّه ، فيما يبدو ، يخالف ما ذهبنا إليه وإن كان ينطوي على ضرورة ما ، فإنّه لا يفيد إمتاعا / ما دامت النّفس تستبعد في الواحد أن يكون باقيا على ما هو عليه في ذاته في كلّ ناحية من النّواحي . بل ربّما كان أحرى بنا أن نقسّم الكلّ بحيث لا يحدث قطّ نقصان في ما يقع التّقسيم عليه . أو بكلام أصحّ ، أن نتصوّره مولّدا شيئا من ذاته فنعني أنّه هو على ما كان عليه في ذاته ، وأنّ ما يتولّد عنه وكأنّه أجزاؤه هو الذي يحقّق الأشياء كلّها . / ولكن إن بقي هذا الحقّ في ذاته لأنّه ليس من المعقول ، فيما يبدو ، أن يكون حاضرا كلّه في كلّ ناحية من النّواحي ، وجب القول ذاته في النّفوس أيضا . فإنّ النّفس لن تكون كلّا في الجسم كلّه الذي يقال فيه إنّها تعمّره : فإمّا أن تتقسّم ، أو ، إن بقيت كلّها على حالها ، فما عسى أن يكون في البدن الجزء الذي تمدّه بقوّتها ؟ / ثمّ يعترضنا هنا الإشكال ذاته في أمر القوّة إن كانت كلّها في كلّ ناحية من نواحي البدن . فضلا على أنّ البدن آنذاك يكون حاصلا على النّفس في إحدى نواحيه وعلى القوّة فقط في ناحية أخرى . ولكن كيف تكون نفوس كثيرة وأرواح كثيرة ، ويكون الحقّ ثمّ الحقائق إلى جانبه ؟ حتّى ولو كانت هذه الأمور متأخّرات صادرات عن متقدّمات ، على أنّها أعداد لا أحجام ، فإنّ الإشكال / لا يزال قائما في أنّها كيف يتحقّق الكلّ بها . فإنّ حلّا لا يكشف لنا الأمر أمام هذه الكثرة التي تتتابع على الوجه الذي ذكرنا . فضلا على أنّا نسلّم في الحقّ بأنّه كثير بالغيريّة لا بالمكان . فإنّ الحقّ قائم بعضه من بعض كلّا ، ولو كان ، وهو على هذه الحال ، كثيرا ؛ ذلك لأنّ الحقّ إلى الحقّ قريب ، وهو كلّه بعضه مع بعض . ثمّ إنّ في الروح كثرة بالغيريّة / لا بالمكان ، وكلّه بعضه مع بعض أيضا .
أو تكون النّفوس على هذه الحال هي أيضا ؟ نعم ، حتّى النّفوس ذاتها . فإنّ ما يقال فيه إنّه « يتجزّأ في الأجسام » ليس متجزّئا طبعا . لكنّ للجسم كمّا لدى حضور النّفس فيه على حقيقتها ، أو بالأحرى لدى حدوث الجسم فيها . فعلى قدر ما يتجزّأ الجسم إذا ظهرت تلك الحقيقة في كلّ / جزء من أجزائه نعتقد ، وهي على هذا الوجه ، في إنّها تتجزّأ في الأبدان . لكنّ قيامها في وحدتها وامتناعها طبعا على التّجزّؤ حقّا خير دليل على أنّها يتجزّأ بتجزّؤ الأجزاء ، وعلى أنّها كلّا في كلّ ناحية . إنّ كون النّفس واحدة ليس نفيا للنّفوس الكثيرة إذا ، مثلما أنّ الحقّ لا يمنع من وجود
تاسوعات أفلوطين — صفحة 587
مساهمون: أفلوطين
ص٥٨٧