الحقائق ، / وليس بين الكثرة والوحدة تناقض في الملأ الأعلى . كما أنّا نقول في الكثرة أنّا لسنا في حاجة إليها لنملأ الأجسام حياة ، ولا ينبغي أن نعتقد في كثرة الأرواح أنّها تحدث لأنّ للجسم كمّا . بل إن قبل الأجسام نفسا واحدة ونفوسا كثيرة ؛ فإنّ النّفوس الكثيرة ليست في الكلّ بالقوّة وإنّما تكون كلّ نفس بالفعل قائمة ، / ولا تمنع النّفس الواحدة الكلّيّة من أن تقيم فيها النّفوس الكثيرة كما أنّ النّفوس الكثيرة لا تنفي وجود النّفس الواحدة . أجل ، إنّها متمايز بعضها عن بعض ولكن بدون مسافة تقع بينها ؛ وهي حاضر بعضها إلى بعض ولكن بدون مغايرة تفرّق بينها . لا تفصل بعضها عن بعض حواجز ، وهي مثل العلوم الكثيرة في النّفس الواحدة إذ إنّ النّفس الواحدة تكون بحيث تتّسع في ذاتها للعلوم كلّها . / وبهذا المعنى نقول في حقيقة من هذا الطّراز إنّها حقيقة لا نهاية لها .
5 فعلى هذا الوجه يجب أن نفهم عظمها ، لا على أنّها في حجم . فإنّ الحجم صغير ، ينتهي به الأمر ، إذا حذف منه ، إلى الّا يكون شيئا . أمّا في مجال الروح فإنّك لا يسعك أن تحذف شيئا ، وإذا حذفت فإنّك لا تحدث قطّ نقصانا . وإن لم ينل تلك الحقيقة نقصان ، فلما ذا يجب الخوف عليها من أن تقف بعيدة عن الشّيء أيّا كان ؟ وكيف تبتعد وهي لا يعتريها نقصان ، بل هي الحقيقة الأبديّة / التي ليس الجري من شأنها ؟ إذ إنّه ليس لها مجال فيه تجري . فإنّها تحيط بالكلّ ، أو بالأحرى إنّها هي الكلّ ما دامت أعظم من أن تستوي في مقام الطّبيعة الجسمانيّة . وقد صدق الاعتقاد فيها أنّها قلّ ما تمدّ به الكلّ من ذاتها ، وإنّما تعطيه بقدر / ما تتّسع لها طاقته . ولكنّه ينبغي الّا نقول في هذا القليل إنّه الأصغر ، كما أنّه ينبغي ، إن جعلناه أصغر حجما ، الّا نحار في أمره بمعنى أنّه يستحيل على الأصغر أن يمتدّ إلى ما يكون أعظم منه .
بل إنّه يجب في هذا « الأصغر » الّا يقال في ذلك « القليل » . وإذا لجأنا إلى القياس وجب الّا نقارن الحجم بما لا حجم له : ففي هذه المقارنة ما يشبه القول في الدّواء إن قيل فيه إنّه أصغر / من جسم الطّبيب . كما أنّه ينبغي الّا نظنّ ذلك القليل أعظم في الكمّ قياسا . فإنّ « العظيم » و « الأعظم » لا يقالان في النّفس مثلما يقالان في الجسد . والدّليل على عظم النّفس هو أنّه ، إذا عظم الحجم تسرّبت إليه كلّه النّفس ذاتها هي التي كانت فيه إذ كان أصغر . / وما أكثر الوجوه التي نستدلّ منها على أنّ في جعل النّفس حجما هذيان .
6 ولما ذا لا تسري إلى جسم آخر إذا ؟ لأنّه يجب في هذا الجسم أن يتقدّم هو إليها ، إذا استطاع . وإن تقدّم تلقّاها وهي له . ثمّ ما ذا ؟ فإنّ هذا الجسم الآخر يحصل على تلك النّفس وهو ذاته صاحب النّفس التي بين جنبيه . فما عسى أن يكون الفرق بين هذه وتلك ؟ ألا ، إنّ الفرق بما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 588
مساهمون: أفلوطين
ص٥٨٨