2 إنّ لدينا الكلّ الحقّ من كلّ ناحية ، وما يحاكي هذا الكلّ من الناحية الأخرى وهي طبيعة عالمنا المنظور . أمّا الكلّ الذي هو الكلّ حقّا فليس في شيء إذ ليس من شيء قبله . أمّا الأمور التي تلي هذا الكلّ ، فإنّها في الكلّ حتما ، إن كان شأنها أن تكون ، وهي على أشدّ ما يمكن تعلّقا بالكلّ ، / لا يسعها بدونه أن تبقى ولا أن تتحرّك . فإن كنّا نتصوّر تلك الأمور في محلّ ، بل نتصوّرها كالمستبدّة إلى الكلّ وهي فيه مستقرّة ، ما دام الكلّ ممتدّا إلى كلّ ناحية مشتملا على كلّ شيء ، فلنخصّص النّظر عمّا يدلّ الاسم عليه ولندرك المعنى بذهننا . على أن نفهم بالمحلّ آنذاك ، أو طرف الجسم المحيط من حيث إنّه محيط ، أو مسافة ما كانت قبل ذلك وهي من طبيعة الفراغ ولا تزال على هذه الحال . / هذا وقد قلنا ما قلنا لسبب آخر ، وهو أنّ ذلك الكلّ الأوّل والحقّ لا يحتاج إلى محلّ وليس في شيء مطلقا . ذلك بأنّه الكلّ ويستحيل على الكلّ أن يكون بحيث يتخلّى عن ذاته ، / بل يملأ ذاته بذاته ويكون دائما مساويا لما هو عليه في ذاته .
فحيث يكون الكلّ ، يكون هو ذاته ، إذ إنّه هو الكلّ . ونقول بوجه عامّ : إن أقام في هذا الكلّ شيء أخذ عن الكلّ وساكنه واستمدّ من قوّته ، لا بمعنى أنّه ينزع من الكلّ جزءا بل بمعنى أنّه يجد الكلّ فيه هو ذاته إذ إنّه يقبل هو على الكلّ ، / ثمّ لا يخرج الكلّ ممّا هو عليه في ذاته . ولا غرو ، فإنّه يستحيل على الحقّ أن يكون في الباطل ، بل الباطل ، هو الذي يكون في الحقّ ، إذا تيسّر له أن يكون شيئا . إنّه يحصل في الحقّ حصوله في كلّ إذا ، إذ إنّ الحقّ لا يسعه أن ينفصل عن ذاته ، وقولنا فيه إنّه في كلّ ناحية يدلّ على أنّه في الحقّ ، أعني أنّه في ذاته . / ولا نستغربنّ من الشّيء إن غدا كونه في كلّ ناحية كونه في الحقّ وكونه في ذاته ، إذ إنّ كونه في كلّ ناحية هنا يعني كونه في الوحدة . أمّا نحن فنتصوّر الحقّ قائما في المحسوس فنتصوّر على هذا لوجه الكون في كلّ ناحية . ولمّا كنّا نعتقد في المحسوس أنّه عظيم ، غدونا نتساءل في الحقيقة الروحانيّة كيف تتمدّد في هذا القدر العظيم . لكنّ ذلك الذي نقول فيه إنّه عظيم إنّما هو صغير ، / وإنّ العظيم هو ذلك الذي نعتقده صغيرا ، إن كان على الأقلّ ، متسرّبا كلّه إلى كلّ جزء من العالم الحسّيّ .
والأحرى بالقول هو أنّ المحسوس يقبل مع أجزائه كلّها على الكلّ الروحانيّ فيجد في كلّ صوب وجانب أنّ هذا الكلّ حقّا وأنّه أعظم منه . هذا وإنّ الحسّيّ ، في امتداده ، لم يدرك مزيدا إذ إنّه ، لو فعل ، لخرج عن حدود الكلّ . / فأراد أن يدور حول الكلّ ، ولا يسعه أن يشتمل عليه أو أن ينفذ إلى صميمه . فاكتفى بأن يكفل له محلّا ورتبة يستوي فيهما آمنا في جوار الكلّ الذي يصبح آنذاك حاضرا إليه وغير حاضر في آن واحد . ذلك بأنّ الأمر الروحانيّ يبقى قائما في ذاته مع ذاته ، حتّى ولو أراد شيء أن يقيم فيه . وحيثما يتوجّه الجسم الكلّيّ يجد الكلّ أمامه ، / فلا يحتاج إلى مزيد في البعد بعد ذلك . بل يدور حول ذاته بحيث يتمتّع في كلّ جزء من أجزائه بذلك الكلّ كلّا . فلو كان هذا الكلّ في محلّ لوجب في الجسم الكلّيّ أن يتوجّه إليه وأن يسير
تاسوعات أفلوطين — صفحة 585
مساهمون: أفلوطين
ص٥٨٥