في خطّ مستقيم ، فيمسّ في كلّ جزء من أجزاء الكلّ ويكون بعيدا منه تارة / وقريبا أخرى . أمّا إن لم يكن بعد ولا قرب ، كان الكلّ ، ما دام حاضرا ، حاضرا كلّا لا محالة . وهو حاضر مطلقا في كلّ شيء من الأشياء ، فلا يقال فيها إنّها بعيدة عنه أو قريبة منه ، بل يقال إنّها بوسعها أن تتلقّاه .
3 أنقول فيه إنّه هو الذي يحضر أم إنّه هو يقيم في ذاته ، ثمّ تنبثق منه قوى إلى كلّ صوب وجانب فيقال فيه ، وهو على هذه الحال ، إنّه في كلّ ناحية من النّواحي ؟ كذلك يقال في النّفوس إنّها بمنزلة أشعّة من نور ، بمعنى أنّه يبقى هو في ذاته فتنبعث منه هي شعاعا شعاعا فينشأ عن كلّ شعاع / حيوان . الواقع هو أنّه في الأمور التي يتمّ لها قيامها في الوحدة من حيث إنّه لا يحتفظ فيها بحقيقته كلّها ، إنّما يحضر ، في ما يحضر فيه منها ، بإحدى قواه . لا على أنّه يحضر فيها بشيء منه فقط ، ما دام غير منفصل عن قوّته التي يمدّ بها . لكنّ الأشياء تتلقّى من الكلّ ، / وهو حاضر ، على قدر ما تشعّ له . حيثما تكن قواه كلّها ، يكن هو حاضرا لا محالة ، على أنّه يبقى ، مع ذلك ، أمرا مفارقا . فلو أصبح مثالا لشيء من الأشياء لبطل في كونه الكلّ وفي كونه قائما في ذاته في كلّ وجه من الوجوه ، بل غدا ، عرضا ، لازما من لوازم غيره . لا يكون لشيء من الأشياء التي تريده لها خاصّة ، فيقترب ، / على قدر الاستطاعة ، من الأشياء التي يريد أن يقترب منها ، ولا يصبح خاصّة شيء ، بل يبقى مرغوب هذا الشّيء في حين أنّ شيئا آخر لا يختصّه بدوره . فلا غرو إذا إن كان بهذا المعنى في الأشياء كلّها ، إذ إنّه لم يكن في أمر من الأمور بمعنى أنّه شيء ينفرد ذلك الأمر به . ولذلك ربّما لا يستبعد العقل أن يقال في النّفس ، بهذا المعنى ، أنّها تنفعل عرضا مع البدن . / اللّهمّ إن عنينا بقولنا أنّها تبقى هي في ذاتها ، ولا تصبح خاصّة الهيولى ولا خاصّة البدن ، بل يغدو البدن وكأنّه يتلألأ بها كلّا في كلّ جزء من أجزائه . يجب الّا نعجب من الحقّ إن لم يكن في محلّ ثمّ حضر إلى كلّ ما استقرّ في محلّ . فإنّ العجب ممّا يكون على خلاف ذلك . بل الأمر المستحيل لدى المتعجّب آنذاك ، أن يكون للحقّ محلّه / الخاصّ ثمّ يحضر إلى شيء آخر قائم في محلّ ، أو يحضر كلّا على معنى الحضور الذي وضعناه . لكنّ العقل يدلّنا على أنّه لا بدّ للحقّ ، وهو المنزّه عن المكان ، من أن يحضر كلّا إلى ما يحضر إليه ، وهو يحضر كلّا إلى الكلّ مثلما يحضر إلى الشّيء الجزئيّ ، أعني أنّه يحضر كلّا . وإلّا لكان شيء من هنا وشيء من هناك ، فيكون مجزّءا ويكون جسما . / ولعمري ، كيف نجزّئه ؟ هل نجزّئ الحياة ؟ إن كان الكلّ حياة لم يكن الجزء حياة . أو هل نجزّئ الروح بحيث يكون روح في جزء وروح آخر في جزء آخر ؟ ولكن لن يكون طرف من الطّرفين روحا . أو هل نجزّئه من حيث إنّه الحقّ ؟ ولكنّ الجزء لا يكون هو حقّا إن كان الكلّ هو الحقّ . / وما عسانا نجيب إن
تاسوعات أفلوطين — صفحة 586
مساهمون: أفلوطين
ص٥٨٦