يطلعان على سببه . أمّا الإحساس فلأنّ العقل ليس منه ، بل ينفرد بأن يجعل الفصول بارزة . وأمّا الروح / فبسيط في إدراكاته الخاطفة لا يلجأ أبدا إلى الأدلّة ليقول في الشّيء إنّه هذا أو ذاك .
ففي حركاته تباين يميّز الشّيء عن غيره ، ولا يحتاج هذا التّباين إلى تباين آخر . هل الأكياف كلّها فصول نوعيّة إذا أم لا ؟ إنّ البياض والألوان بوجه عامّ / ، ولو كانت هي ذاتها أنواعا ، ربّما تغدو فصولا يتميّز بها بعض الأشياء عن بعضها الآخر ؛ وكذلك القول في أكياف اللّمس والذّوق .
ولكن بأيّ معنى نقول ذلك في علم اللّغة وفنّ الموسيقى ؟ بمعنى أنّ الموسيقى تكيّف نفسا بالموسيقى ، وعلم اللّغة يكيّف به نفسا أخرى ، ولا سيّما إن كانت النّفسان مفطورتين على الأمر ، بحيث إنّ الكيفين يتحوّلان إلى نوعين من الأنواع التي تحدث الفصول . كما أنّه يجب البحث في الفصل النّوعيّ هل ينبثق من الجنس ذاته أو من الجنس ومن غيره أيضا . /
وإذا انبثقت الفصول من الجنس ذاته ، كانت فصولا لما يشتقّ من هذا الجنس أيضا ، كأن تكون فصول الأكياف أكيافا مثلا . فإنّ الفضيلة والرّذيلة كليتهما ملكة ذات كيف ، فتغدو الملكات أكيافا وتكون فصولها النّوعيّة أكيافا هي أيضا . إلا إذا قلنا في الملكة ، خالية من الفصل ، إنّها لا تكون كيفا ، / بل الفصل هو الذي يحدث الكيف . ولكنّ الحلو إن كان نافعا والمرّ مضرّا ، لم يكن الفصل بالكيف ، بل بالعلاقة بين طرفين . وما الأمر إن قلنا في الحلو إنّه ثقيل وفي الحامض إنّه خفيف ؟ الوجه هو أنّ الثّقيل لا يقال هنا في ما يكون الحلو عليه في ذاته ، بل في ما يتّصف بالحلاوة ؛ وكذلك القول في الحامض . فالناتج عن كلّ هذا الذي سبق / هو أنّ الكيف لن يطلب فصلا للكيف ، كما يصحّ الأمر دائما في الذات والذات وفي الكمّ والكمّ . قد يقال في الخمسة إنّها منفصلة عن الثّلاثة بالاثنين ؛ لكنّ الصّحيح هو أنّها تفوق الثّلاثة باثنين ، ولا يقال فيها إنّها منفصلة عن الثّلاثة . فكيف تنفصل بالاثنين مع كون الاثنين في الثّلاثة ؟ كما أنّ الحركة لا تنفصل عن الحركة بحركة ، ولن تجد ذلك في الأمور الأخرى أيضا . / أمّا الفضيلة والرّذيلة فيجب أن تقابلا كلّا بكل ، فيقع التّمييز بين الطّرفين عند ذاك . ولكنّه قيل في الفصول إنّها تنبثق من الجنس ذاته ، أعني من الكيف لا من غيره . والآن لنجر التّقسيم بالنّسبة إلى اللّذّة من ناحية وإلى الغضب من ناحية ثانية ، ثمّ بالنّسبة إلى تحصيل الغلّة من ناحية ثالثة وإلى إنفاقها من ناحية رابعة / . فإذا فعلنا وصحّ لدينا تقسيمنا ، تبيّن لنا أنّ كلّ ذلك إنّما هو فصول ، وليس أكيافا بحال .
19 لقد ظهر لنا ، أنّه يجب في المكيّفات أن نصنّفها مع كيفها ، بقدر ما إنّ الكيف متعلّق به .
فلا نأخذها على حيالها ، خوفا من أن يكون لدينا مقولتان ، بل نرتقي منها إلى الكيف الذي أصابت منه ما لا يقال فيها . فإنّ غير الأبيض إنّما هو كيف إذا دلّ على لون آخر . أمّا إذا كانت
تاسوعات أفلوطين — صفحة 574
مساهمون: أفلوطين
ص٥٧٤