كان المثال أوفر حقّا من الهيولى ، لم يكن الحقّ أمرا مشتركا بينهما بعد ذلك ، ولم تكن الذات جنسا يشتمل على الهيولى وعلى المثال وعلى المركّب . أجل ، إنّهما ليبقيان مشتركين في أمور أخرى كثيرة ، وهي تلك التي ذكرنا ، / ولكنّهما لا يزالان مختلفين في كيانهما . وإذا قيل الأوفر حقّا على الأقلّ حقّا ، جاء في الرّتبة الأولى ، ولكنّه يكون بعد الذات . فإن لم يكن الكيان متساويا بين الهيولى والمثال والمركّب ، بطل القول في الذات إنّها أمر مشترك بين تلك الثّلاثة على أنّها جنس لها . أمّا ما يلي هذه الأمور الثّلاثة فلعلاقة الذات به وجه آخر ، إذ إنّ فيها بالإضافة إليه أمرا مشتركا يكفله لها / ما للثّلاثة مع بعضها من كيان . فالحياة مثلا بعضها مظلم وبعضها أشدّ إشراقا ؛ والصّور بعضها خطوط ومعالم فقط ، وبعضها الآخر أوفر تفصيلا واستكمالا . وإذا اتّخذنا قياسا للكيان الكيان على أقلّه ، وتركنا جانبا المزيد من الكيان في الأمرين الآخرين ، كان ذلك الجانب من الكيان هو الأمر المشترك . ولكنّا حاشا أن نفعل كذلك . / فإنّ كلّا من الأمور الثّلاثة كلّ في ذاته يختلف عن سواه ، وليس الأقلّ هو الأمر المشترك بينهما . كما أنّه ليس في الحياة وجه يجمع بينها غذائيّة وحسّيّة وروحانيّة . وكذلك الأمر في الكيان مع ما نحن في صدده : فإنّ الكيان في الهيولى غيره في المثال وفي المركّب منهما ، فيجري من معيّن واحد ، ولكنّ بعض مجاريه يختلف عن بعضها الآخر . ذلك بأنّ الشّيء لا يكون أعظم ثمّ ما يليه أحقر وأقلّ فقط إذا ما خرج من أوّل ثان ثمّ من الثاني / ثالث . بل قد يتمّ ذلك في حال انبعاث أمرين في آن واحد من أصل واحد أيضا . فالغضار يخرج من النار ، ومنه ما يصيب الكثير من النار فيصبح آجرّا مثلا ، ومنه ما يصيب القليل فلا يستحيل آجرّا . هذا وربّما لم يكن الهيولى والمثال من أصل واحد إذ إنّ بين الأمور الروحانيّة ذاتها فروقا أيضا .
8 ينبغي علينا أن نعدل عن هذا التّقسيم للذات إلى عناصرها إذا ، ولا سيّما إذا كان القول في الذات الحسّيّة التي ينبغي أن تدرك بالحسّ لا بالعقل . كما أنّه ينبغي الّا نهتمّ بما تتألّف منه ، إذ إنّه ليس من الذات في شيء أو إنّه ليس من الذات الحسّيّة على الأقلّ . بل الأجدر بنا أن نحصر في جنس واحد ما يشترك بين الحجر والأرض والماء ، / والنّبات الناشئ من هذه كلّها والحيوان أيضا ، من حيث إنّ ذلك كلّه مجموعة أشياء حسّيّة . فلا تكون الهيولى مغفولة في حصرنا ولا المثال أيضا ، إذ إنّ الذات الحسّيّة تشتمل عليهما . ذلك بأنّ النار هيولى ومثال ، والأرض أيضا ، وما بين الأرض والنار ، فضلا على أنّ المركّبات هي في الواقع ذوات كثيرة توحّد بعضها مع بعض . ثمّ إنّ هذه الأمور كلّها تشترك في معنى واحد يجمع بينها ، وهو الذي يفصلها عن سواها . ذلك بأنّ كلّا منها محلّ لشيء آخر ، وهي كلّها ليست في محلّ ولا تقال في شيء سواها . هذا وإنّ كلّ ما ذكرنا / متوافر لهذه الذات . ولكن إن لم تكن الذات الحسّيّة بدون
تاسوعات أفلوطين — صفحة 564
مساهمون: أفلوطين
ص٥٦٤