19 إن كانت تلك الأربعة هي الأجناس والأجناس الأولى ، أفيحدث كلّ جنس منها أنواعه ؟
هل يتجزّأ الحقّ مثلا هو من تلقاء ذاته مستقلّا عن الأجناس الأخرى ؟ فإنّه ينبغي للجنس أن يتلقّى فصوله من الخارج ، وللفصول أن تتفرّع من الحقّ من حيث إنّه حقّ وليس هو الفصول . وأنّى / يحصل عليها ؟ لا يأخذها من العدم . وإن أخذها من الحقائق ، لم يقابله منها إلّا الأجناس الثّلاثة الباقية ، فيأخذ منها فصوله لا محالة ، وهي تصاحبه مضافة إليه مقرونة به واقعة معه . فإن صحبته أسهمت معه في إخراج ذلك الشّيء المؤلّف من الأشياء كلّها . وبعد ، فكيف تكون الأمور إذا بعد هذا الشّيء المؤلّف من الأشياء كلّها ؟ وكيف تكون الأجناس كلّها / ثمّ تحدث الأنواع . بل كيف ينتج عن الحركة أنواع الحركة ؟ ثمّ السّكون والأمور الأخرى كيف تخرج منها أنواعها ؟ ينبغي أن نحرص على الجنس من أن يفنى في أنواعه ومن أن يطلق عليها بمعنى أنّا نتنبّه فيها بذهننا فقط ، بل أن يكون في أنواعه وفي ذاته أيضا ، / وأن يكون ممزوجا ومنزّها عن كلّ مزيج في الآن ذاته . فإذا أسهم في قيام الذات لا يفنى هو . كلّ هذه أمور يجب البحث فيها .
هذا وقد ذكرنا أنّ ما يتألّف من الحقائق كلّها هو الروح بما فيه الروح الجزئيّ . ثمّ افترضنا الحقّ والذات متقدّمين على الأشياء كلّها التي تغدو منهما بمنزلة الأنواع والأجزاء ولمّا يستو الروح في كيانه ، إذ إنّا قلنا في الروح / إنّه متأخّر . فهذه مشكلة يسعنا أن نستخدمها في موضوع بحثنا ، فننزلها منزلة المثل لنلج في معرفة ما نحن في صدده .
20 فلنأخذ الروح إذا في كونه غير متّصل بشيء من الجزئيّات وغير محدث فيها تأثيرا مهما يكن ، حتّى لا يمسي روحا معيّنا ، مثلما يكون الأمر في العلم أن يغدو مجزّأ إلى أنواعه ، وفي النّوع الخاصّ من العلم قبل أن تبرز أجزاؤه . فإنّ العلم الكلّيّ ليس شيئا من أجزائه ، وهو يتّسع لها كلّها . فالجزء منه بالفعل ، / والأجزاء كلّها بالقوّة . تلك هي حال العلم الكلّيّ . أمّا العلوم النّوعيّة فإنّها كامنة بالقوّة في العلم الكلّيّ ، وتشتمل على ما يكون من نوعها ، على أنّها العلم الكلّيّ بالقوّة . فقد يقال فيها إنها العلم الكلّيّ ، وهي ليست جزءا من أجزائه ؛ أمّا العلم الكلّيّ فأقلّ ما يجب فيه هو أن يبقى في ذاته لا تشوبه شائبة . وكذلك نقول في الروح إنّه الروح الكلّيّ / من ناحية وهو قبل الأرواح الجزئيّة الثابتة فعلا ، وإنّه هذه الأرواح من الناحية الأخرى .
فالأرواح الجزئيّة حافلة بالأشياء كلّها ، والروح المحلّق فوقها يمدّها بما لديها . إنّه لطاقتها وهو ينطوي عليها بشموله الكلّيّ ، على أن تعود هذه الأرواح الجزئيّة وتنطوي بدورها على الروح الكلّيّ في اشتمالها على جزئيّات الأمور ، كما / أنّ العلم الخاصّ ينطوي على العلم الكلّيّ . فيكون الروح الأعظم قائما في ذاته ، ويغدو كلّ روح من الأرواح الجزئيّة قائما في ذاته بدوره أيضا ، على أن يعود الروح الكلّيّ ويحيط بالأرواح الجزئيّة ، كما أنّه يكون بدوره كامنا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 553
مساهمون: أفلوطين
ص٥٥٣