تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
تكون معه في حوزة الروح . أمّا كونها في الروح فمثل كونها في العرفان على الّا يكون العرفان الكامن في التّفكّر . فلا يفوته شيء من البنى المعنويّة ، بل إنّه ذاته بمثابة بنية معنويّة واحدة ، عظيمة كاملة مشتملة على البنى المعنويّة كلّها ، يجتازها منذ أوائله . / أو الأحرى بالقول فيه دائما إنّه قد اجتازها ، إذ إنّ الاجتياز لا يصحّ فيه حقّا . ومهما يكن الوجه الذي ننظر منه ، فإنّ كلّ ما ندركه بالتّفكير من الحقائق في الطّبيعة ، نجده قائما في الروح بدون تفكّر . الأمر الذي يحملنا على الاعتقاد في الروح أنّه صنع الحقّ وقد انتهى من التّفكّر ، مثلما تكون الحال في البنى المعنويّة التي تحدث في الحيوان . / فإنّ خير ما يدلّنا عليه التّفكّر وهو على أشدّه عمقا وتبيانا ، نجده كلّه فيما يكون عليه ، كامنا في البنى المعنويّة قبل كلّ تفكّر . وما عسانا أن نتوقّع من الأمور المتقدّمة على الطّبيعة المحلّقة فوق ما تنطوي عليه الطّبيعة من بنى معنويّة ؟ فإنّ الذات في عالم هذه الأمور ليست إلّا الروح . والحقّ هنالك ، مثل الروح ، ليس أمرا مستحدثا . / فتغدو الحال على خير ما يرام ولا عناء ، ما دامت الذات منسجمة مع الروح ، فلا يتحقّق إلّا ما يريده الروح ويكون ما يتحقّق هو الروح بالذات . ولذلك كان الروح هو الحقّ والأوّل إذ إنّهما لو انبثقا من شيء آخر لكان هذا الشّيء هو الروح ذاته . وخلاصة القول هي أنّ الأشكال كلّها ظاهرة في الروح والكيف كلّه أيضا . على أنّ هذا الكيف ليس كيفا معيّنا ، وما كان شأنه أن يقوم في الوحدة ما دام منطويا على حقيقة غيره ، / بل هو واحد ومتعدّد إذ إنّا نجد فيه الذاتيّة أيضا . فإنّ الحقّ واحد ومتعدّد ، وهو كذلك منذ البداية بحيث إنّك تجد الوحدة والتّعدّد في الأنواع كلّها : تعدّد في المقادير وفي الأشكال وفي الأكياف . ولا يجوز استثناء شيء من هذه القاعدة إذ إنّ الكلّ في الملأ الأعلى كلّ كامل وإلّا لما استوى كلّا . / ثمّ إنّ في الحقّ ، إلى جانب الأشكال والكيف ، حياة تجري أو بالأحرى ترافق الحقّ من أيّ وجه نظرت إليه . فلا بدّ ، بعد ذلك ، من أن ينشأ الحيوان في كلّ صوب وناحية ؛ فتكون الأجسام بحضور الكيف والهيولى . تنشأ الأشياء كلّها باستمرار إذا ثمّ تبقى ويشملها الأبد في كيانها ، على أن يقوم كلّ شيء على حياله بما يكون هو عليه في ذاته ، ثمّ تعود فيتوحّد بعضها مع بعض . / هذا هو الروح : إنّه بمنزلة شبكة تضمّ الأشياء كلّها في شيء واحد وقد تآلف بعضها مع بعض . وإن كان منطويا على الحقائق كلّها ، فإنّه الحيوان الكامل ، أعني الحيوان بالذات . أمّا الحقيقة التي تنبثق منه ، فإنّه يعرض لها وجهه حتّى تراه ، ويتيح لها أن يقال فيها بالصّواب إنّها أصبحت أمرا روحانيّا . 22 هذا هو معنى ما ورد تورية عند أفلاطون إذ يقول : « . . . إنّ الروح ، وهو على هذه الحال ، إنّما يدرك المعاني في الحيوان الكامل ، فيرى كيف تكون وما هو عددها » . ثمّ إنّ النّفس تأتي بعد الروح ، وقد تنطوي هي أيضا على المعاني بقدر ما تكون نفسا ، لكنّ هذه