كثيرة ، فإنّه كان جنسا . وإن كنّا نشاهد الخير في كلّ جزء من أجزاء الذات أو الحقّ أو في معظم هذه الأجزاء ، فلما ذا لا يكون جنسا وهو جنس من الأجناس الأولى ؟ أجل إنّه في الأجزاء كلّها ، ولكن ليس على حال واحدة ، بل / قد يكون خيرا من المقام الأوّل أو الثاني أو ما بعد ذلك .
ونحن هنا بين أمرين : فإمّا أن ينبعث شيء من آخر أو متأخّر عن متقدّم ، وإمّا أن تنبعث الأشياء كلّها من الواحد الذي هو وراء الحقّ ، على أن تختلف في أخذها عنه باختلاف طبائعها . وإن أردنا أن نجعل الخير جنسا ، فهو جنس متأخّر . فأن يكون الشّيء خيرا هو أمر متأخّر عن الذات وعمّا يكون عليه الشّيء في ذاته ، / حتّى ولو كان هذا الأمر للشّيء لازما . أمّا تلك الأجناس فإنّها من الحقّ في صميمه ، ومن حيث إنّه حقّ ، وهي تمّت إلى الذات بصلة . ذلك بأنّ فوق هذه الأمور ما يقوم وراء الحقّ ، ما دام الحقّ والذات لا يسعهما إلّا أن يكونا متعدّدين ، إذ لا بدّ للحقّ من أن يكون منطويا على تلك الأجناس التي أحصيناها ومن أن يكون واحدا متعدّدا . على الرغم من ذلك كلّه ، فإنّا لا نتردّد في القول بأنّ الخير / لازم للحقّ على أنّه تحقّق الحقّ طبعا في توجّهه إلى الواحد ، وبأنّ في ذلك خير الحقّ بالذات ، حتّى يصبح بذلك في مثال الخير . وإن كان ذلك كذلك أمسى الخير الذي في تحقّق الحقّ نحو الخير متّجها . وخير الحقّ بهذا المعنى إنّما هو حياته ، أعني حركته . ولقد استبانت لنا الحركة جنسا من الأجناس الأولى . /
18 أمّا الحسن ، فإن كنّا نعني به الحسن الأوّل ، كان قولنا فيه قولنا في الخير الأوّل أو قولا على غراره . أمّا إذا قصدنا به ما يقع على المثال كأنّه بهاؤه ، فإنّا نقول في هذا البهاء إنّه لا يكون هو هو ذاته في الأشياء كلّها وإنّ بهاء الحقّ أمر متأخّر على الحقّ . وإن كنّا لا نعني بالحسن إلّا الذات فقط ، فيقال فيه ما قيل في الذات . وإن / عرفناه بالنّسبة إلينا عندما نشاهده لإحداثه فينا انفعالا من نوعه ، فإنّ فعله إنّما هو حركة آنذاك ، وهي حركة ولو كان الفعل موجّها إلى الواحد الأوّل . أمّا العلم فإنّه حركة هو أيضا وحركة تندفع من تلقاء ذاتها ، إذ إنّه إبصار للحقّ وفعل في حدّ ذاته ؛ لكنّه ليس بملكة . فيصنّف مع الحركة إذا ، أو إن شئت ، مع السّكون ، أو أيضا مع الطّرفين ، على أن يكون بمثابة مزيج إذا وقع في الطّرفين . / وإن كان العلم كذلك فإنّه ، مزيجا ، أمر متأخّر . هذا وإن الروح الذي يدرك الحقّ بالعرفان ، وهو مركّب من أمور كثيرة ، ليس جنسا من الأجناس الأولى . فإنّ الروح الحقّ هو مع الأشياء كلّها ، لا بل إنّه الحقائق كلّها .
أمّا الحقّ وحده وبمفرده ، إذا نظرنا إليه على أنه جنس ، كان عنصرا من عناصر الحق . أما العدل والعفّة والفضيلة / بوجه عام ، فإن ذلك كله من أفعال الروح ؛ فلا نجده بين الأجناس الأولى ، بل يشكّل أنواعا متأخّرة على الجنس .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 552
مساهمون: أفلوطين
ص٥٥٢