المعاني تبدو لها على وضوح أشدّ إذ شاهدتها في ما يكون متقدّما عليها . وكذلك القول في روحنا ، إذا نظر في ذاته شاهد فقط ؛ / أمّا إذا نظر في ما كان قبله فقد شاهد أنّه يشاهد أيضا .
والواقع هو أنّ ذلك الروح الذي قلنا فيه إنّه « يشاهد » ليس منفصلا عن الأمر الذي يتقدّمه ومنه انبثق . وما دام هو أمرا متعدّدا منبثقا من أمر واحد ومنطويا على حقيقة الغيريّة مصحوبا بها ، كان في ذاته أمرا متعدّدا . بيد أنّه ما دام الروح الواحد وهو متعدّد ، / كان بالضّرورة ذاتها محدثا للأرواح الكثيرة . على أنّه لا يسعنا أن ندرك فيه الأحد عددا وفردا ؛ إنّما ندرك فيه النّوع لأنه منزّه عن الهيولى . وهذا ما يورّي عنه أفلاطون بقوله إنّ « الذات تتجزّأ إلى ما لا نهاية له » . فإنّا ما دمنا مستمرّين في التّجزّؤ من نوع إلى آخر ، منطلقين من الجيش مثلا ، / فاتنا الحدّ الذي لا نهاية له ، إذ إنّ التّجزّؤ آنذاك يحدّد بالأنواع المتولّدة . أمّا النّوع الأخير الذي لا يجزّأ إلى أنواع ، فهو الأشدّ تحقّقا لما لا نهاية له . وهذا هو معنى قوله : « ينبغي حينذاك أن يخلى بينها وبين اللا نهاية ، وأن تترك على شأنها » . بيد أنّا ما دمنا مع الأفراد في ذاتها فإنّا لا نزال في اللا نهاية ؛ أمّا إذا شملناها بالوحدة ، فإنّها تعود وتخضع للعدد . إنّ الروح / ينطوي إذا على ما يتأخّر عليه ، أعني النّفس ، ممّا يؤدّي إلى أنّ النّفس محصورة بعدد هي أيضا ، وذلك حتّى آخر جزء من أجزائها .
لكنّ هذا الجزء الأخير لا ينتهي أبدا إلى حدّ . ثمّ إنّ الروح على هذه الحال هو جزء ، ولو كان منطويا على الأشياء كلّها وكان الكلّ ، وإنّ الأرواح المتجزّئة منه أجزاء قائمة فعلا وحقّا ما دام هو ذاته جزءا حقّا . أمّا النّفس فتكون جزءا / من جزء على أن تغدو تحقّقا منبثقا من الروح . إذا ما أجرى الروح تحقّقاته في ذاته كانت الأرواح الأخرى محقّقاته إذا ؛ أمّا إذا دفع تحقّقه من ذاته إلى الخارج ، فالأنفس تكون حينئذ . وإن أجرت النّفس تحقّقا من حيث إنّها جنس أو نوع نشأت النّفوس الأخر أنواعا لها . ثمّ إنّ لهذه النّفوس ضربين من التّحقّقات : إذا وجّهت النّفس وجهها إلى الملأ الأعلى كانت روحا ، وإذا وجّهت وجهها إلى العالم الأدنى كانت بقدر هبوطها قواها الأخرى . / على أنّ القوّة الأخيرة من قواها تكون قد اتّصلت بالهيولى وعمرتها بالصورة ، كما أنّ جانبها الأدنى لا يمنع كلّ ما بقي منها من أن يكون في الملأ الأعلى . بيد أنّ ما يقال فيه إنّه أسفلها إنّما يكون ارتساما لها ، غير مفصول عنها ، بل يكون بمنزلة ما ينعكس في المرايا والأصل المرئيّ حاضر خارج المرآة . / ولكن يجب في هذا الأصل القائم خارج المرآة أن نفهم الوجه الذي يكون عليه . إنّ العالم الروحانيّ يمتدّ إلى ما قبل هذا الارتسام ، وإنّه ، عالما ، كمال كلّه ما دام مؤلّفا من الروحانيّات كلّها . ثمّ إنّ عالمنا صورة له وهو مثله حيوان في ذاته بقدر ما يسعه أن يحفظ فيه صورة الحيوان . مثل ذلك مثل رسم أو انعكاس في الماء لشيء نعتقده متقدّما على الرّسم أو على الماء . / لكن الصورة المرتسمة في الرّسم أو في الماء ليست الأصل الخارج في طرفيه ، الطّرف الذي يعمر بالصورة ، والطّرف المعمور بها . إنّما الصورة المرتسمة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 556
مساهمون: أفلوطين
ص٥٥٦